الخميس
2026/03/12
آخر تحديث
الخميس 12 مارس 2026

ليلة القدر… فرصة العمر

منذ 13 دقيقة
ليلة القدر… فرصة العمر
طباعة

كلما أقبلت العشر الأواخر من رمضان، يتجدد في قلوب الصائمين انتظار ليلةٍ ليست كسائر الليالي: ليلة القدر. وليس هذا الانتظار مجرد تقليد ديني أو عادة موسمية، بل هو استجابة لمعنى قرآني عظيم؛ فقد وصفها الله بقوله: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ}[سورة القدر، الآية:2]. أي أن العمل الصالح فيها يعادل عبادة أكثر من أربعٍ وثمانين سنة.
إن هذه الحقيقة وحدها كافية لتجعل هذه الليلة أهم فرصة روحية في حياة الإنسان.
فكم من الناس يقضون أعمارهم في طلب النجاح الدنيوي، بينما يمنحهم الله في ليلة واحدة ما يعادل ثمرة عمر كامل من العبادة. ولذلك لم يكن غريبًا أن يوجّه النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلى البحث عنها، فقال: «التمسوها في العشر الأواخر من رمضان»، [متفق عليه]. وفي رواية: «في الوتر من العشر الأواخر» [صحيح مسلم]. وكأن الرسالة واضحة: من أراد هذا الفضل العظيم، فعليه أن يجتهد في هذه الليالي ولا يفرّط فيها.
غير أن السؤال الأهم ليس: متى ليلة القدر؟ بل: ماذا نطلب فيها؟
وقد أجابت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن هذا السؤال حين سألت النبي صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله، إن وافقت ليلة القدر ماذا أقول؟ فقال:
«قولي: اللهم إنك عفوٌّ تحب العفو فاعفُ عني».[ صحيح ابن ماجة والامام أحمد].
وهنا تتجلى حكمة هذا الدعاء. فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يوجّهها إلى طلب الدنيا، ولا حتى إلى طلب ثوابٍ معين، بل إلى طلب العفو. والفرق كبير بين المغفرة والعفو؛ فالمغفرة سترٌ للذنب، أما العفو فهو محوٌ للذنب من أصله كأنه لم يكن. ولهذا كان العفو أعظم ما يرجوه المؤمن من ربه.
ولهذا قال ابن القيم رحمه الله:
إذا تزاحمت الحاجات في قلبك وضاق الوقت، فاجعل دعاءك كله أن يعفو الله عنك؛ فإن عفا عنك أتتك حاجاتك من غير مسألة.
إن العفو الإلهي ليس مجرد غفرانٍ عابر، بل هو بابٌ واسع يشمل صلاح الدنيا والآخرة؛ عافية في البدن، وهداية في الدين، وسلامة في المصير.
فإذا نال العبد عفو الله، فقد فاز بما هو أعظم من كل مطلب. لهذا، فإن أعظم ما ينبغي أن يشغل المؤمن في هذه الليالي ليس البحث النظري عن ليلة القدر، بل اغتنامها بالذكر والدعاء والقيام. فرب دعوةٍ صادقة في جوف الليل تمحو ذنوب سنين، ورب دمعةٍ خاشعة تفتح أبواب القبول.
فلا تضيعوا هذه الليالي في الغفلة، وأكثروا من هذا الدعاء الذي اختصر طريق النجاة:
اللهم إنك عفوٌّ تحب العفو فاعفُ عنا.
فلعل كلمة صادقة ترفع صاحبها إلى مقام المغفور لهم، وتجعل ليلةً واحدة سببًا في فوزٍ يمتد أثره إلى الأبد.

ملاحظة: اجعل لنفسك مشروع دعوة: فالدعوة اليوم مسؤولية الجميع، ولكل شخص دوره حسب موقعه وقدرته.

من صفحة لمرابط ولد لخديم