السبت
2026/03/7
آخر تحديث
السبت 7 مارس 2026

مع القرآن لفهم الحياة (الحلقة التاسعة)

منذ 5 ساعة
مع القرآن لفهم الحياة (الحلقة التاسعة)
لمرابط ولد لخديم
طباعة

القرآن واللغة العربية: سرّ التسمية وإعجاز الدلالة
ارتبطت اللغة العربية بالإسلام ارتباطًا وثيقًا جعلها تتجاوز كونها مجرد وسيلة للتخاطب، لتصبح وعاءً للوحي ومفتاحًا لفهم العقيدة والشريعة. وقد أشار الإمام أبو إسحاق الشاطبي إلى هذه الحقيقة حين أكد أن الشريعة الإسلامية عربية في أصلها، مستدلًا بقوله تعالى: ﴿وكذلك أنزلناه حكمًا عربيًا﴾،(28) أي أن هذا الحكم الإلهي نزل بلغة العرب، ولا يمكن إدراك مقاصده إلا وفق دلالات هذه اللغة وأساليبها(29)ومن هنا اكتسبت العربية مكانة خاصة في وجدان المسلمين، إذ إن نزول القرآن بها منحها منزلة رفيعة مستمدة من قداسة الوحي نفسه. فالمجتمعات حين تقدّس شيئًا تسعى إلى فهمه وصيانته، ولذلك أصبحت العربية أداة فهم الدين ووسيلة حفظه واستمرار رسالته عبر الأجيال.
ولولا ارتباط العربية بالقرآن، لما تجاوزت حدود الجزيرة العربية بتلك السرعة والقوة التي عرفها التاريخ في صدر الإسلام. فقد انتشرت اللغة في الأقاليم شرقًا وغربًا، وتأثرت بها لغات كثيرة، بل حلت محل بعضها، وكان ذلك بفضل كونها لغة القرآن ولغة فهم الدين الجديد. وهكذا شكّل الإسلام قوة دفع حضارية ولغوية، بينما كان القرآن الرابط الأقوى بين الدين واللغة، حتى صار ما يقرره القرآن معيارًا لغويًا يحتكم إليه.
ويبرز سؤال مهم في هذا السياق: لماذا سُمّي القرآن بهذا الاسم؟
ترجع الكلمة إلى الفعل العربي قرأ، ومصدره قرآن، كما ورد في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾(30). وتحمل هذه التسمية دلالات لغوية عميقة؛ فهي تشير إلى الجمع والقراءة المتواصلة، أي جمع الآيات والسور في كتاب متلوّ يُتعبد بتلاوته. كما أن الفعل “قرأ” يرتبط في العربية بالتلاوة والإبلاغ، وهو ما يتناسب مع طبيعة القرآن بوصفه كتابًا مقروءًا ومتلوًّا في العبادات.
ويرى الدكتور محمود الخطيب(31)أن في هذه التسمية بعدًا إعجازيًا؛ إذ يدل اسم “القرآن” على أنه سيكون الكتاب الأكثر قراءة عبر التاريخ. وقد حاول بعض المستشرقين نسبة الكلمة إلى أصول عبرانية في محاولة لانتزاعها من جذورها العربية، غير أن الشواهد اللغوية تؤكد أنها كلمة عربية أصيلة مشتقة من الفعل “قرأ”، وقد عرفت في العربية قبل نزول القرآن.
واللافت أن دلالة هذا الاسم تحققت بالفعل عبر التاريخ؛ فالقرآن هو أكثر كتاب قراءة في العالم، وهو حاضر في حياة المسلمين تلاوةً وحفظًا وتعليمًا. ولا يقتصر تميزه على كثرة قرائه، بل يمتد إلى الطريقة الفريدة التي حُفظ بها، إذ جمع بين الحفظ في الصدور والتدوين في السطور. فالملايين يحفظونه عن ظهر قلب، وفي الوقت نفسه ظل مكتوبًا ومدونًا بدقة منذ عصر النبي صلى الددد عليه وسلم، مما يضمن ثبات نصه عبر العصور.
كما يتميز القرآن بإعجازه البياني واللغوي(32)؛ فقد واجه العرب وهم أهل الفصاحة والبيان بتحدٍّ لغوي غير مسبوق. وحين سمعوا آياته لم يجدوا فيه خللًا لغويًا أو ضعفًا في الأسلوب، بل بهرهم بيانه إلى حد أنهم وصفوه بالسحر، كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾.(33) ومن مظاهر إعجازه أيضًا دقة ألفاظه؛ فكل كلمة فيه موضوعة في موضعها بحكمة، بحيث لا يمكن استبدالها بأخرى دون أن يتغير المعنى الدقيق للسياق.
وهكذا يتضح أن اسم “القرآن” ليس مجرد تسمية لكتاب سماوي، بل هو دلالة تحمل في طياتها معنى الرسالة وطبيعة هذا الكتاب. فهو الكتاب المقروء عبر العصور، المحفوظ في الصدور والسطور، والمتفرد ببلاغته وتأثيره، مما يجعل التسمية نفسها صورة من صور الإعجاز التي تحققت مع الزمن واستمرت عبر الأجيال.....
بتواصل....
ملاحظة: اجعل لنفسك مشروع دعوة: فالدعوة اليوم مسؤولية الجميع، ولكل شخص دوره حسب موقعه وقدرته.

لمرابط ولد لخديم