رجل في ذاكرة أمة
لم يكن محمد يحظيه ولد إبريد الليل رحمه الله فكرة معلقة في الهواء، بل إنسانا يألف ويؤلف، يحمل فكره كما يحمل همه.
كان يعرف أن السياسة تمس البشر كما تمس مصائر الأمم، وأن الأزمات ترهق الأرواح قبل أن تربك المعادلات.
قرأ تاريخ الأمم بعين من يبحث عن العبرة، لا عن الإدانة، وكان حين يتحدث عن المستقبل، يفعل ذلك بقلق المحب الشغوف بوطنه لا ببرود المراقب.
في لحظات الانسداد السياسي – وما أكثرها – لم يكن يعلو صوته، بل كان يزداد عمقا، يصغي أكثر مما يتكلم، لأن الإصغاء عنده شكل من أشكال الفهم والتأمل.
فلسفته لم تفصله عن الناس، بل قربته منهم، كان يرى الإنسان قبل الفكرة، والوجع قبل التحليل، وعلم الاجتماع عنده لم يكن وصفا باردا، بل محاولة صادقة لفهم ما يخبئه الناس وراء صمتهم، في تجاويف قلوبهم وتلافيف عقولهم.
أما تصوفه، فكان سكينة داخلية تحميه من القسوة، لا انسحابا من العالم، وكان يعلم أن من لم يربح نفسه، خسر قضيته مهما علت شعاراته.
لم يكن يدعي امتلاك الحقيقة، بل كان يخاف عليها من التبسيط، وحين يستشرف القادم، لم يكن يتنبأ، بل كان يتألم مسبقا لما قد يحدث.
كان يرى الوطن ككائن هش يحتاج إلى عقول رحيمة، وبرحيله شعرنا أن شيئا من الطمأنينة قد ذهب، وانكسر شيء ما في النفوس لا يمكن إصلاحه مطلقا.
افتقدنا ذلك العقل الذي كان يمنح القلق معنى، لكن أثره لم يغب، لأنه عاش في الناس ومعهم لا فوقهم.
بقي في كلماته، وفي صمته، وفي تلامذته، رحل جسدا، وبقي إنسانا في الذاكرة، وفكرا في الضمير.
في ذكرى رحيلك
سلام لك يا أستاذنا،
وسلام عليك إلى يوم الدين.
محمد محمود إسلم




