ماذا لو كنت رئيسًا للجمهورية؟
لو كنت رئيسًا للجمهورية، فلن أكون مديرًا للتسيير اليومي، بل قائدًا للتحولات الكبرى، وصانعًا للمستقبل، وضامنًا لاستمرار مشروع الدولة بعد انتهاء مأموريتي ، ولجعلت الجميع في هذا البلد يعملون على ساق الجد، ولجعلت الدولة إطارًا وطنيًا واحدًا للعمل المشترك، تتكامل فيه المسؤوليات، وتتحدد فيه الصلاحيات، وتتضافر فيه الجهود حول أهداف كبرى أديرها وأتابعها بنفسي.
لن أكون رئيسًا منشغلًا بكل صغيرة وكبيرة، ولا مديرًا عامًا للإدارة الحكومية، ولا مرجعًا لكل قرار وتعيين وإجراء، بل سأكون رئيسًا يقود الدولة، ويحدد وجهتها، ويصنع مستقبلها، ويحاسب المسؤولين عن تنفيذ سياساتها.
أولًا: الإعلام وصناعة الوعي الوطني
لن أنشغل بمتابعة وسائل التواصل الاجتماعي، ولا بالرد على ما يُنشر فيها، ولن أجعل منها مصدرًا لتحديد أولويات الدولة أو توجيه قراراتها.
سأعمل على خلق إعلام وطني قوي، حر ومسؤول، يمتلك القدرة والمصداقية والكفاءة للمساهمة في التوجيه والتعبئة الوطنية حول الأهداف الكبرى والتحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي أسعى إلى تحقيقها.
فالتغيير الذي أريده لا يتعلق بالمشاريع والمنشآت وحدها، بل يتطلب تغييرًا عميقًا في العقليات، ومراجعة العادات البائدة المعيقة للتقدم، وتحرير المجتمع من ثقافة الاتكالية والزبونية والولاءات الضيقة.
وسأجعل من حرية الإعلام واستقلاليته إحدى أهم أدوات الرقابة على السلطة، وكشف الفساد، ومحاربة العادات السياسية السيئة والخطابات المضللة، وتفكيك البنى الفكرية والاجتماعية التي تعيد إنتاج التخلف وسادعم الأدب والمسرح والفن ليساعدني في تغيير العقليات .
لن أحتاج إلى إعلام يمدحني، بل إلى إعلام يساعدني على معرفة الحقيقة، حتى عندما تكون مزعجة، ويجعل المجتمع شريكًا واعيًا في مشروع التغيير لا معيقا ومثبطا لجهوده .
ثانيًا: الحكومة ومسؤولية التسيير
سأوكل التسيير الحكومي اليومي كما فعل رئيس الجمهورية عن حسن تقييم إلى الوزير الأول، مع منحه الصلاحيات الضرورية لممارسة مسؤولياته كاملة، وتحميله تبعات التسيير ونتائجه.
لن أقبل أن يكون الوزير الأول مسؤولًا عن حكومة لا يمتلك سلطة فعلية على أدائها، ولا أن يتحول الوزراء إلى مسؤولين يتجاوزونه في كل صغيرة وكبيرة نحو الرئاسة.
سأضع أهدافًا واضحة للحكومة، وبرامج قابلة للقياس، وآجالًا محددة للتنفيذ، وأجعل المحاسبة على أساس النتائج لا على أساس الولاءات أو كثرة الاجتماعات والتقارير وسأجعل من الاجتماع الحكومي الأسبوعي فرصة لمساءلة الوزير الأول وحكومته .
فالتفويض لا يعني مسؤولية تُنتج الفوضى، والمسؤولية بدورها لا تعني صلاحيات تُنتج العجز.
ثالثًا: مؤسسة الرئاسة وتوزيع المسؤوليات
سأجعل من مؤسسة الرئاسة بنية وظيفية متكاملة، لا مركزًا تتكدس فيه الملفات وتتداخل فيه الصلاحيات.
سأعهد بإدارة الملف السياسي إلى وزير امين عام الرئاسة، بالتنسيق مع الوزراء المستشارين بالرئاسة ، ورئيس أغلبيتي، ورئيس حزبي، ضمن إطار واضح يفصل بين مسؤوليات الدولة والعمل الحزبي، ويحفظ للرئاسة موقعها الجامع فوق التنافس السياسي،طبعا بعد اختيار الأشخاص ذوي المصداقية الوطنية والاكفاء المقتدرين .
وسأعهد إلى مدير ديواني في صلاحياته المؤسسية بتسيير الملفات الجارية للرئاسة، مع منحه صلاحيات واسعة ومحددة في إدارة شؤونها، وتنظيم أعمالها، ومتابعة تنفيذ القرارات الصادرة عنها.
وسأعقد اجتماعًا تنسيقيًا أسبوعيًا مع الأطراف، في إطار فريق عمل متكامل، لمتابعة مجريات الأحداث، وتقييم الأداء، ومعالجة الاختلالات، وضمان انسجام العمل بين مختلف المؤسسات.
لن أسمح بتعدد مراكز القرار داخل السلطة التنفيذية، ولا بتداخل الصلاحيات الذي يضيع المسؤولية ويجعل كل طرف يلقي بتبعات الإخفاق على الآخر.
رابعًا: المؤسسة العسكرية والأمنية
سأكلف قادة الجيش والمؤسسات الأمنية بإنشاء إطار دائم للعمل المشترك والتنسيق الاستراتيجي، يضمن تكامل الأدوار، وتبادل المعلومات، والتقدير المشترك للمخاطر والتحديات.
وسأطلب إعداد تصورات استباقية حول المشكلات الأمنية والتهديدات المحتملة، بدل الاكتفاء بالتعامل معها بعد وقوعها.
وسأعمل على تطوير عقيدة دفاعية وطنية، وبناء قدرات عسكرية ردعية تتناسب مع الموقع الجيوسياسي للبلد، واتساع مجاله الترابي والبحري، وحجم ثرواته، وطبيعة التحولات الأمنية والاستراتيجية في محيطه الإقليمي والدولي.
فالجيش ليس مجرد مؤسسة لحماية الحدود، بل أحد أهم ضمانات السيادة والاستقرار، وحماية المصالح الاستراتيجية للدولة.
خامسًا: الانشغال بأهداف القرن لا بمشكلات اليوم وحدها
هنا سأضع الجزء الأكبر من وقتي وجهدي واهتمامي واستفادتي من الخبرات الوطنية والتجارب الدولية .
سأنشغل، مع مستشاريّ، وبالاستعانة من الخبرات الوطنية في الداخل والخارج، بتحقيق ما أسميه «أهداف القرن»: تلك المشاريع والتحولات الكبرى التي لا تقاس بأعمار الحكومات، ولا ينبغي أن تتوقف بانتهاء المأموريات الرئاسية.
سأركز على المشاريع الطاقوية الكبرى التي تضمن للبلد أمنه الطاقوي، وتحوله من مجرد مستهلك للطاقة إلى منتج ومصدر لها، وتجعل الطاقة رافعة للتصنيع والتنمية .
وسأعطي الأولوية لاتفاقيات الاستخراج الكبرى، في الغاز والمعادن والثروات الطبيعية، على أساس شراكات استراتيجية حقيقية تضمن المصالح الوطنية طويلة المدى، بدل الاقتصار على العائدات المالية المباشرة.
لن أقبل أن تظل ثروات بلدي تُستخرج وتُصدَّر دون أن تتحول إلى قاعدة صناعية وتكنولوجية ومعرفية وطنية.
فلن أكرر، ولن أسمح في المستقبل بتكرار تجربة الاستنزاف، مثل هوندوغ وتازيازت وأم سي أم، ومصانع دقيق وزيت السمك، والاتفاق مع الاتحاد الأوروبي…
فسأدعم الاستثمار الأجنبي الشراكات الدولية، لكني رفض أن تظل ثروات البلد تُستغل دون أن تتحول إلى قاعدة إنتاجية وطنية، أو أن تُبرم اتفاقيات طويلة الأمد دون ضمان نصيب عادل من العائدات، ونقل التكنولوجيا والخبرات، وخلق القيمة المضافة وفرص العمل،فماذا سيبقى للبد بعد رحيل هذه الشركات مثلا غير النفايات والآثار السيئة للاستخراج .
ولن أكتفي بالتقييمات العامة لهذه الاتفاقيات، التي تعتمد فقط على الريع ، بل سأخضعها لمراجعة اقتصادية وطنية شاملة، تكشف ما دخل منها إلى الخزينة، وما استفاد منه المواطن، وعدد فرص العمل التي خلقتها، وحجم القيمة المضافة التي أبقتها داخل البلد، ومابقى من الخبرة والصنعة ، وما ضاع علينا من فرص اقتصادية بديلة.
فتجربة تازيازت، التي انتقلت فيها الإتاوة المعدنية من نسبة ثابتة قدرها 3% إلى نظام تصاعدي يصل إلى 6.5% وفق أسعار الذهب، تطرح سؤالًا جوهريًا حول أهمية التفاوض ومراجعة شروط الاتفاقيات فالجمود في هذه الاتفاقيات ضيع على البلد فرص مالية كبيرة خاصة بعد تجاوز سعر الذهب سقف 1600 دولار للاونصة وهو السقف المحدد لاستفادة البلد فأين ذهبت حصة البلد من الربح عندما تجاوز سعر الأونصة 5000دولار فأين كان الاستشراف وحماية مصالح البلد ؟.
نفس الأمر حدث مع شركة النحاس عندما تجاوز سعر طن النحاس 5000 آلاف دولار ليصل إلى 8000 دولار وكذلك سعر الذهب .كيف ضاعت مصالح البلد وكيف يمكن التحدث عن الفساد دون البدء بهذه الاختلالات التي ضاعت فيها أموال ضخمة من مال البلد ؟
كما أن اتفاق الصيد مع الاتحاد الأوروبي، الذي يتيح بموجب بروتوكول 2021–2026 فرص صيد تصل إلى 280,050 طن سنويًا، مقابل مساهمة مالية أوروبية تبلغ 60.8 مليون يورو سنويًا، فضلًا عن رسوم يدفعها المستغلون، يستوجب تقييمًا يتجاوز المقابل المالي إلى ما تحققه هذه الشراكة من تصنيع محلي وتشغيل ونقل للخبرات وحماية للموارد وقيمة مضافة أي ماذا سيبقى بعد انتهاء هذ العقد على الأرض الموريتانية من فوائده .
أما تحويل الأسماك إلى دقيق وزيت، في حين يعجز المواطن على كسب قوته اليومي منها ولو بسعر يناسب دخله فإنها كارثة تطرح سؤالًا أكبر حول جدوى استنزاف كميات ضخمة من الثروة السمكية لإنتاج مواد هي أضعف أنواع التثمين والقيمة المضافة مقارنة بما يمكن تحقيقه من تصنيع الأسماك للاستهلاك البشري وتطوير الصناعات الغذائية الوطنية .
لن أقبل بعد اليوم أن يكون حجم الاستثمار المعلن عنه، أو مقدار الإتاوات وحده، دليلًا كافيًا على نجاح أي اتفاقية. فالمعيار الحقيقي هو مقدار ما تضيفه إلى الاقتصاد الوطني، وما تتركه من قدرات إنتاجية وخبرات ومؤسسات تستطيع الاستمرار بعد انتهاء استغلال الثروة.
ولن تكون هناك اتفاقية استراتيجية جديدة دون تقييم مستقل لتكاليفها وعائداتها وآثارها على السيادة الاقتصادية للأجيال القادمة.
وسأعمل على إبرام اتفاقيات اقتصادية استراتيجية في مجالات الصيد والزراعة والتنمية الحيوانية والمياه، تجعل البلد يستفيد من نقل الخبرات والتكنولوجيا والمعرفة، ومن خلق القيمة المضافة وفرص العمل، لا أن يظل مجرد متلقٍّ للريع أو مصدر للمواد الأولية.
وسأضع التعليم والتكوين والبحث العلمي في صميم هذه التحولات؛ فلا معنى لمشاريع القرن إذا لم نُعِدَّ لها الإنسان القادر على إدارتها وتطويرها وحمايتها.
سأجعل الأمن الغذائي والمائي والطاقوي من صميم الأمن القومي، وأتعامل مع التبعية في هذه المجالات باعتبارها مشكلة سيادية، لا مجرد اختلال اقتصادي.
وسأعمل على تطوير البنية التحتية الاستراتيجية، وربط مناطق الإنتاج بالأسواق ومراكز التحويل والتصدير، وخلق اقتصاد وطني تتكامل فيه موارده بدل أن تعمل قطاعاته كجزر معزولة.
سادسًا: تسوية الملفات الاجتماعية الكبرى
سأخلق إطارًا استراتيجيًا وطنيًا لمعالجة المشكلات الكبرى وتسوية الملفات الاجتماعية المعقدة والمتراكمة، وفي مقدمتها الملفات المتعلقة بالوحدة الوطنية والعدالة الاجتماعية والإنصاف وتكافؤ الفرص.
لن أترك هذه القضايا للرهانات والمزايدات السياسية، ولا للمقاربات الظرفية التي تعالج الأعراض وتترك الأسباب.
فحل هذه الملفات مسؤولية الدولة أولًا، ويتطلب إرادة سياسية واضحة، ومعرفة دقيقة بجذورها، وحوارًا وطنيًا جادًا، وحلولًا مؤسسية عادلة وقابلة للاستمرار.
سأعمل على إخراج القضايا الوطنية المصيرية من دائرة الاستخدام السياسي المتكرر، وإدخالها في دائرة الحلول الوطنية الدائمة.
سابعًا: الفساد مسؤولية رئاسية مباشرة
سأتابع ملفات الفساد بنفسي، ليس بالتدخل في عمل القضاء أو أجهزة الرقابة، وإنما بضمان استقلالها وفعاليتها، ومتابعة تنفيذ توصياتها، وإزالة العوائق التي تحول دون محاسبة المسؤولين واسترداد الأموال العامة.
لن أقبل أن تتحول محاربة الفساد إلى حملات إعلامية موسمية، أو وسيلة لتصفية الحسابات السياسية، أو أن تظل التقارير الرقابية مجرد وثائق تُحفظ في الأرشيف.
سأجعل من الوقاية من الفساد، وشفافية الصفقات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وحماية المال العام، قواعد ثابتة في إدارة الدولة.
فلا يمكن بناء دولة قوية باقتصاد منهوب، ولا تحقيق تنمية حقيقية بإدارة لا تخضع للمساءلة.
ثامنًا: كيف نضمن استمرار المشروع بعد انتهاء المأمورية؟
هنا أصل إلى الإشكال الأكبر الذي تواجهه الدولة: قصر الإيقاع الحكومي والسياسي مقارنة بالزمن الذي تحتاجه المشاريع الاستراتيجية الكبرى.
فالمشاريع التي تغير مصير الدول لا تُنجز بالضرورة خلال مأمورية رئاسية واحدة، وبعضها يحتاج إلى عشرين أو ثلاثين سنة من العمل المتواصل والتراكم المؤسسي.
وهذه المعضلة لا يمكن حلها بمجرد الإرادة السياسية، مهما بلغت قوتها، ولا بإطالة بقاء الأشخاص في السلطة حتى ولو كان ذلك من صلب المشروع ، وإنما ببناء مؤسسات تضمن استمرارية الدولة ومشاريعها الاستراتيجية، بصرف النظر عن تغير الحكومات والرؤساء.
ولهذا سأعمل على إنشاء هيئة سيادية دستورية وطنية، مستقلة وظيفيًا عن الحكومة، تتولى تطوير وتوسيع وتحديث ومتابعة الاستراتيجيات الوطنية الكبرى، ضمن اختصاصات واضحة وضمانات قانونية ودستورية، وتخضع للمساءلة المؤسسية دون أن تتحول إلى سلطة موازية للمؤسسات المنتخبة.
ستكون هذه الهيئة جزءًا من العمق المؤسسي الدائم للدولة، وجزء من الدولة العميقة بمعناها الايجابي ، بحيث لا تتأثر استمرارية عملها بالتغيرات الحكومية أو نتائج الانتخابات الرئاسية.
وستتولى المحافظة على التراكم الاستراتيجي للدولة، وضمان عدم انقطاع أو ضياع الخبرات والبرامج والمشاريع كلما تغيرت السلطة التنفيذية.
وسيكون من أهم اختصاصاتها متابعة الاستراتيجيات المتعلقة بالأمن القومي، والاتفاقيات السيادية الكبرى، والأمن الغذائي والمائي والطاقوي، والقدرات الدفاعية، والمشاريع الاقتصادية التي تتجاوز آجال تنفيذها عمر الحكومات.
ومن المهم أن يشتد عود هذه الهيئة في كنف رئيس يؤمن بمشروعها، ويتبناها، ويوفر لها شروط النجاح والاستقلالية، ويعهد إليها باستكمال وتطوير المشروع الوطني الذي بدأه، لا باعتباره مشروعًا شخصيًا، وإنما باعتباره مشروع دولة.
وأخيرًا
لو كنت رئيسًا للجمهورية، لما جعلت نجاحي مرهونًا بما أنجزته خلال سنوات حكمي وحدها، وإنما بما أسست له من قدرة الدولة على الإنجاز بعد رحيلي عن السلطة.
لن يكون همي أن أظل ضروريًا لكل قرار، بل أن أبني دولة تستطيع اتخاذ قراراتها وتنفيذ مشاريعها دون أن تكون مرتهنة لشخص الرئيس.
فقوة الرئاسة لا تقاس بعدد الملفات التي تمر عبر مكتبي، وإنما بعدد المؤسسات القادرة على العمل بكفاءة ومسؤولية دون الرجوع إليّ في كل تفصيل.
إن أعظم ما يمكن أن يتركه رئيس لبلده ليس مجرد مشاريع تحمل اسمه، وإنما مؤسسات قوية، ورؤية وطنية واضحة تقرر للمستقبل ، ودولة تعرف إلى أين تتجه، وتملك القدرة على مواصلة الطريق مهما تغير الذين يقودونها.
فالرئيس الذي يبني كل شيء حول شخصه قد يترك فراغًا كبيرًا عند رحيله، أما الرئيس الذي يبني المؤسسات، فإنه يترك دولة قادرة على الاستمرار.
أليس في مقدور غزواني في وطائه الوطني الشرعي وقبضته القوية وفي مشروعه الوطني وفي قدرته على الحسم القيام بانعطاف وطنية في هذا الاتجاه.
الإعلامي والمحلل السياسي محمد محمود ولد بكار




