من أجل مجلس وطني لصون قيمنا
بدأت بلادنا تكتشف - وبوتيرة جديدة - ظاهرة تستحق منا كل الاهتمام ، وهي تصاعد حضور الإثارة السلبية في الفضاء العام . فالمأساة ، والفضيحة ، والأخبار السيئة ، والجدل ، والاستفزاز ، والابتذال ، وكشف الحياة، الخاصة ، وغياب الحياء ( بل وحتى الانحراف أحياناً ) ، تبدو وكأنها تحظى بحضور متزايد .
هذه الظاهرة ، لم تعد تقتصر على شبكات التواصل الاجتماعي ، بل تمتد أيضاً إلى بعض وسائل الإعلام ، وإلى النقاشات العامة ؛ وبشكل أوسع ، إلى الطريقة التي تُبنى بها النقاشات المجتمعية ، وتُنقل إلى الجمهور .
بطبيعة الحال ، ليست المشكلة في وجود الأخبار السيئة . فالمجتمع الحر ، يجب أن يكون قادرا على الحديث عن صعوباته ، وفضح الظلم ، وكشف التجاوزات ، وإتاحة المجال أمام الضحايا للتعبير عن معاناتهم .
إنما ، تبدأ المشكلة عندما يتحول السلبي إلى سلعة ؛ والفضيحة إلى عرض ؛ والاستفزاز إلى وسيلة لجذب الانتباه !. هنا
تخطر ببالنا المقولة : " تطرد العملة الرديئة ، العملة الجيدة " ، ( وذلك في مجال القيم).
فعندما يجذب الابتذال انتباهاً أكبر من التحفظ ؛ وعندما تنتشر الإهانة أكثر من الحجة ؛ وعندما تكون الفضيحة أكثر رواجاً من القدوة ؛ وعندما يمنح الاستفزاز حضوراً أكبر من العمل الجاد ؛ فإن السلوكيات الأكثر صخباً تنتهي -بصورة آلية- إلى احتلال مساحة أكبر في المجال العام ! .
هنا يكمن خطر أعمق من مجرد تدهور محتوى شبكات التواصل الاجتماعي .
إنه خطر الانقلاب التدريجي في المعايير . فما كان يُعتبر في الماضي استثناءً ، يصبح أمراً عادياً . وما كان يُنظر إليه باعتباره منافياً للحياء ، يصبح مألوفاً . وما كان يفترض أن يثير الاستنكار ، قد يتحول أحياناً إلى مصدر للشهرة .
وفي المقابل ، قد تصبح القيم التي ينبغي أن نحافظ عليها ، وهي : العمل ، والكفاءة ، والكرامة ، والتضامن ، والحياء ، واحترام الكبار ، والتربية ، والمسؤولية ، والشعور بالمصلحة العامة ... أقل حضوراً وأضعف ظهوراً ! .
خطر الانطفاء التدريجي للقيم
إن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في الابتذال بحد ذاته ، وإنما في تحوله إلى أمر مألوف .
هنا ، لا تختفي القيمة بالضرورة ، لأنها رُفضت رسمياً . بل يمكن أن تختفي بطريقة أكثر هدوءاً : عندما يتوقف تعليمها . وعندما يتوقف تقديم النماذج التي تجسدها . وعندما لا تعود تحظى بالتقدير والمكافأة . وعندما تصبح أقلية في الفضاء العام .
من هذا المنطلق ، أطرح من جديد مقترحاً سبق أن أشرت إليه مؤخراً :
إنشاء مجلس
وطني لصون
قيمنا وتعزيزها
ويمكن أن تتمثل مهمة هذا المجلس في رصد تطور السلوكيات والمضامين في الفضاء العام ؛ وتحديد مظاهر تطبيع العنف أو الابتذال أو المساس بكرامة الإنسان - ولكن قبل كل شيء - العمل بصورة إيجابية على تعزيز القيم التي يرغب مجتمعنا في نقلها إلى الأجيال القادمة .
هنا أوضح : لا ينبغي أن يكون دوره دور شرطة للأخلاق ، بل ينبغي أن يكون أقرب إلى مرصد ، وفضاء للتفكير ، وتقديم المقترحات ، والتوعية والتربية .
ويمكن أن يضم ممثلين عن مختلف المجالات : المربين ، والأكاديميين ، وعلماء الاجتماع ، والأخصائيين النفسيين ، ورجال والقانون ، والمتخصصين في الإعلام ، والفاعلين الثقافيين ، والعلماء والمرشدين الدينيين ، وممثلي الشباب ، والمتخصصين في المجال الرقمي ، والجمعيات ، وشخصيات معروفة بالتزامها المدني .
ويمكن للمجلس أن يعمل - على سبيل المثال - عبر عدة مسارات :
* إجراء دراسات حول تطور السلوكيات والمضامين الإعلامية والرقمية
* اقتراح برامج للتربية على الإعلام ؛ والاستخدام المسؤول للفضاء الرقمي ؛
* توعية الشباب بآليات التأثير والتلاعب من خلال الإثارة ؛
* تشجيع وسائل الإعلام على اعتماد ممارسات مسؤولة ؛
* دعم المضامين التي تبرز قيمة التربية والثقافة والعلم والعمل والمبادرات المواطِنة ؛
* تنظيم حملات وطنية للتوعية ؛
* دعم الإبداع الثقافي والفني الذي يحمل قيماً إيجابية ؛
* تقديم توصيات إلى السلطات العمومية وإلى الفاعلين في المجال الإعلامي ؛
* إعداد حصيلة دورية ترصد تطور منظومة القيم في المجتمع .
كما يمكن للمجلس - على سبيل المثال - أن يستحدث جائزة وطنية للقدوة الحسنة ، تسلط الضوء على مواطنين ، ومدرسين ، وجمعيات ، وصحفيين ، وفنانين ، ورواد أعمال ، وشباب يسهمون بصورة إيجابية في خدمة المجتمع .
فإذا كنا نريد للقيم الإيجابية أن تحتل مساحة أكبر ، فلا يكفي أن ندين المحتوى السيئ . بل يجب أن نجعل المحتوى الجيد مرئياً ، وجذاباً ، وجديراً بالاهتمام . وهذا يتطلب استعادة الفضاء العام . ربما يكمن جوهر التحدي الحقيقي ، هنا .
لقد غيّرت شبكات التواصل الاجتماعي قواعد جذب الانتباه . فالمحتوى الذي يثير رد فعل فورياً ( الغضب أو الاستنكار أو الفضول أو الصدمة ) قد يحظى بانتشار أكبر من المحتوى الهادئ والمتزن .
ولا يمكننا أن نكتفي بمجرد التحسر على هذا التحول . بل علينا أن نتعلم كيف نواجهه ونستجيب له .
محمد ولد محمد الحسن
الرئيس المؤسس لمعهد مددراس 2Ires
في 24شتمبر2026




