الثلاثاء
2026/08/18
آخر تحديث
الثلاثاء 18 أغشت 2026

فاجعة التاريخ بين واسيني الأعرج وجوزيه ساراماغو

منذ 48 دقيقة
فاجعة التاريخ بين واسيني الأعرج وجوزيه ساراماغو
إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن
طباعة

لَيس التاريخُ دفترًا هادئًا نعود إليه كلما أردنا أن نعرف ماذا حدث. التاريخُ في بعض لحظاته جُرْحٌ لا يندمل، وذاكرة ترفض أن تتحوَّل إلى ماضٍ. وحين يدخل التاريخُ إلى الرواية، لا يعود مُجرَّد تواريخ وأسماء ومعارك وسُلالات، يصير لحمًا بشريًّا، ووجعًا دائمًا، وخوفًا مُستمرًّا، وأسئلة عميقة.
مِن هذا المنعطف الحرج يمكن قراءة تجربة الروائي الجزائري واسيني الأعرج ( وُلد 1954) وتجربة الروائي البرتغالي جوزيه ساراماغو ( 1922_ 2010 / نوبل 1998 ). إنَّهما كاتبان لا ينظران إلى التاريخ بوصفه حقيقة مكتملة، وإنَّما بوصفه سُلطة تركتْ آثارها في الإنسان، خصوصًا في الإنسان الذي لَم يملك يومًا حقَّ كتابة الرواية الرسمية عن نَفْسِه.
التاريخ عند واسيني الأعرج مُشبع بذاكرة المكان العربي، والجزائرِ وهي تَحمل طبقات استعمارها وحروبها وانكساراتها، والإنسانِ الذي وجد نَفْسَه مِرارًا داخل تاريخ كُتِبَ مِن فَوق، ثُمَّ طُلب مِنْه أنْ يُصدِّقه.
أمَّا عند ساراماغو، فإنَّ التاريخ يتحوَّل إلى مادة للسؤال والارتياب. يفتح الكاتبُ شقًّا في الرواية الرسمية، ثم يترك الشخصيات تتقدَّم في العتمة، كأنَّ الحقيقة أصبحتْ كائنًا مرتبكًا لا يعرف الطريق إلى خلاصه.
فاجعة التاريخ لَيست في أنَّ الماضي كان قاسيًا فَحَسْب، بلْ أيضًا في أنَّ القسوة كثيرًا ما تُعاد صياغتها بلغة محترمة. يتحوَّل القاتلُ إلى بطل، والضحية إلى هامش، والخراب إلى مجد قَومي، ويُطلَب مِن الأجيال اللاحقة أن تحفظ أسماءَ المنتصرين بدل أن تصغي إلى أنين الذين سقطوا تحت أقدامهم.
والروايةُ حين تقترب من هذه المنطقة،تصبح مواجهة معَ هذا الترتيب الظالم للذاكرة. في أعمال واسيني الأعرج، لا يبدو التاريخ بعيدًا عن الجسد، إنَّه يدخل البيوتَ، ويترك أثره في العائلة، والحُب، واللغة، وعلاقة الإنسان بأرضه. الجزائر عنده ليست خلفية روائية جاهزة، بل ذاكرة متوترة،تتصارع فيها الأزمنة، لذلك فإنَّ استعادة التاريخ لَيست فِعلًا بريئًا، إنَّها عَودة إلى مَا لَم يُحسَم، والماضي لا يأتي كي يُروَى، وإنَّما كَي يُحاسَب.
غَير أنَّ مشكلة هذا الاشتغال تظهر حين يصبح التاريخُ أثقل من الرواية نَفْسِها، ففي بعض التجارب التي تجعل مِن الذاكرة مركزًا مطلقًا،قد تتحوَّل الشخصيات إلى حوامل للأفكار التاريخية، وتفقد شيئًا من ارتباكها الإنساني الطبيعي. والإنسانُ الحقيقي لا يعيش وهو يشرح عَصْرَه، ولا يستيقظ كُلَّ صباح وفي رأسه وعيٌ كامل بموقعه في التاريخ.إنَّه يُحب ويخاف ويخطئ، ثم يفهم متأخرًا ما الذي حدث له. وحين تُحمَّل الشخصية أكثر مِمَّا تحتمل، يصبح السردُ أقرب إلى محاكمة الماضي مِنْه إلى الإصغاء إلى الإنسان.
أمَّا ساراماغو فيتعامل معَ التاريخ بطريقة أكثر مراوغة. لا يواجهه دائمًا مواجهةً مباشرة، بلْ يزعزع اليقينَ به. يسأل: ماذا لوْ كانت الرواية التي وصلتْ عن الماضي ناقصة؟، ماذا لوْ أنَّ ما يعرفه الإنسان ليس إلا نسخة صاغتها القوة؟، ماذا يبقى للإنسان حين يكتشف أنَّ التاريخ الذي ظَنَّه حقيقة نهائية ليس سِوى تأويل انتصرَ لأنَّه كان الأقوى؟.
لا يحتاج ساراماغو إلى رفع صوته كي يجعل التاريخَ موضع اتهام. يكفي أن يُغَيِّر زاويةَ النظر قليلًا، ويمنح الهامشي مساحةً لَم يكن يمتلكها، أو يضع الشخصية العادية في مواجهة مؤسسة ضخمة، حتى تبدأ البِنية كُلُّها بالاهتزاز. لكنَّه قد يقع في فخ آخر، فالسخرية الفكرية حين تزداد ثقة بنفسها، يمكن أن تتحوَّل إلى مسافة باردة بين القارئ والمأساة. وحين يصبح العبثُ وسيلة دائمة للنظر إلى العالَم، قد يتراجع الألمُ خلف لعبة الأسلوب.
واسيني الأعرج يكتب من قلب ذاكرة مجروحة، لذلك تبدو العاطفة عنده أكثر التصاقًا بالمكان والهُوية والتاريخ الجزائري. لكنَّه يواجه خطر الاستغراق في الذاكرة إلى الحد الذي يجعل الروايةَ أسيرةً لها.
وساراماغو يكتب من موقع أكثر سخرية وشكًّا في المُسلَّمات، لذلك يستطيع أن يفكك التاريخَ، ويسخر من سُلطاته، لكنَّه يواجه خطرَ أن يتحوَّل الإنسانُ إلى فكرة داخل بناء فلسفي شديد الإحكام.
كلاهما يضع القارئ أمام السؤال نَفْسِه: مَن يملك حق رواية الماضي؟. وهذا السؤال ليس أدبيًّا فقط، إنَّه سؤال عن السُّلطة، والتاريخُ الذي تكتبه الدول المنتصرة لَيس مُجرَّد سرد للأحداث، إنَّه طريقة لتحديد مَن يستحق أنْ يُذكَر، ومَن يُمكن أن يُنسَى. لذلك تبدو الرواية في بعض لحظاتها كأنَّها محاولة لاستعادة صوت سُرق منذ زمن طويل، لكنَّها لا تستطيع أن تعيد الموتى إلى الحياة، ولا أن تصلح ما انكسر. كُلُّ ما تستطيع فِعْلَه هو أن تمنع النسيانَ مِن أنْ يصبح انتصارًا ثانيًا للظلم.
لا تكمن أهمية واسيني الأعرج وساراماغو في أنَّهما يمدحان التاريخَ، أوْ يعيدان تقديمه بصورة أجمل، العكس هو الصحيح، قوتهما حين ينجحان، تأتي من الشك في التاريخ حين يتحوَّل إلى عقيدة، والارتيابِ في الرواية حين تدَّعي امتلاكَ الحقيقة كاملة.
بين الجزائر وسياقاتها التاريخية،وبين البرتغال وذاكرتها الأوروبية، لا تتطابق التجربتان، ولا ينبغي لهما أن تتطابقا. لكنَّ الرواية في الحالتين تقترب من منطقة واحدة، المنطقة التي يصبح فيها الماضي حاضرًا بطريقة موجعة، ويكتشف الإنسانُ أنَّه لا يستطيع الهربَ مِن الأشياء التي لَم تُدفَن. والتاريخُ، في النهاية، ليس ما حدث فقط، إنَّه أيضًا ما بقي مِن الإنسان بعد أن حدث.

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن