هذا هو فحوى لقائي مع البنك الدولي
اجتمعت، يوم أمس رفقة (معاوني الإعلامي ومحرر موقع العلم: المدني ولد محمد) في مقر البنك الدولي بانواكشوط، بمندوبين عن هذه الهيئة المالية الدولية على خلفية نقاش الشراكة بين البنك الدولي والدولة الموريتانية، وأهمية تقارير البنك الدولي في الرفع من معنويات الحكومة بماتمثله مصداقية معلوماتها من أهمية ومرجعية في تقييم سياسات الدولة، وما تفتحه في جوانبها الإيجابية من آفاق للدعاية والترويج بالنسبة للأنظمة الفاسدة، وما خلقت من دعم لنظام ولد عبد العزيز خلال العشرية التي اتسمت بالفساد والرشوة، ومسؤولية البنك في تلك الشراكة، حيث كانت تقاريره تمثل دائما نفخة أكسجين في رئة النظام الذي يعاني من فساد فاضح وفشل في السياسات، في حين يعرف المواطن أوضاعا مزرية وفقرا مدقعا، وبطالة منتشرة، وإدارة عاجزة، وسلطات محلية تعمل بالزبونية والمحسوبية، ومناخ إقتصادي فاشل يعيق أي منافسة وقضاء غير مستقل.
جاء اللقاء، إذن، على خلفية أن نظام العشرية الفارطة كان يطلب، عند كل مفترق طرق، زيارة لبعثة من البنك الدولي، لتعقد اجتماعات وتصدر تقريرا أو إيجازا أو تعقد مؤتمرا صحفيا لتقول ان شيئا ما تحسن في البلد، وبعدها ينفخ النظام في نايات وسائل إعلامه ويضرب دفوف دعايته علي وقع تلك الشهادة ويعمي الأبصار ويُخرس المعارضين بسبب شهادة البنك الدولي أو تكريمه. وهكذا يواصل النظام نهبه وفساده ، وكأن البنك الدولي متآمر مع السلطة على الفقراء، وبهذا يراكم البنك الدولي صورة سيئة عنه في الرأي العام، أو لدى المواطن المطحون بالغلاء وبالبطالة والفقر. وبالتالي كنت مرغما على إفهام البنك الدولي أن عليه أن يأخذ مسؤولياته تجاه المعلومات التي ينشر والتي لا تعكس حقيقة الوضع، خاصة أنه استمر حتى النهاية في الشراكة مع نظام اشتهر بالفساد، وكأنه لم يسمع شيئا عن إنفجارات الفضائح التي تعربدفي سماء موريتانيا، أو لم يلاحظ عدم انعكاس الدور التأطيري والتوجيهي للبنك على رفاه المواطنين وعلى الإقتصاد المندمج ، وعلى تسوية المشاكل اليومية أمام الإدارات وفي المحاكم وفي التخطيط والعمران وفي النقل أو التعليم.
هذه النقاط وغيرها كانت موضوع طلب لقاء وجهته للممثل المقيم للبنك الدولي في نواكشوط كما وجهته لممثل صندوق النقد الدولي من أجل نقاشها وتطوير ذلك النقاش مع البعثات الدولية من المؤسستين قبل وصولها للبلد بعشرة أيام تقريبا (علما بأنها وصلت نواكشوط بداية الأسبوع الماضي). وقد قبل ممثل البنك الدولي مشكورا اللقاء وطلب مني أن أبعث إليهم بأسئلتي واستفساراتي، وفعلت. بينما لم يصلني الجواب من صندوق النقد الذي ربما يحافظ على علاقة وطيدة بالدولة! مع أنه يتعين عليه الدفاع عن صرامته المعهودة حينما يسكت عن تقسيم كمية كبيرة من رخص البنوك دون مبرر اقتصادي سوى تبييض أموال الشعب!.
لقد كان حديثي مع بعثة البنك الدولي صريحا ومسؤولا، تم فيه الأخذ والعطاء وتبادل الآراء، وامتاز بسعة صدر الخبراء ودفاعهم المستميت عن البنك.
بدأ الاجتماع بعدة ملاحظات مُستهلها أنني أرسلت لهم أسئلتي بالعربية بينما وصلتني الأجوبة بالفرنسية، وقد أطلعتهم على أن ذلك يعتبر خطأ فادحا ومعوقا أمام البنك للتعاطي مع أغلب النخبة في البلد الذين تلقون تكوينهم بالعربية وكذلك الرأي العام. ثم أوضحت لهم أن الإصلاحات التي يطالب بها البنك لا تثمر على أرض الواقع، ومع ذلك يقومون بدفع المنح للحكومة فمثلا تم صرف 50 مليون دولار ضمن برنامج دعم الخزينة في أيام ولد عبد العزيز الأخيرة التي كانت كأنها هدية له شخصيا، حيث قضى بها ديون مؤسساته على الدولة وترك الخزينة فارغة حسب معلومات تم تداولها وكان مصدرها بعض موظفي الخزينة أنفسهم وبعض الفاعلين الصغار الذين أمضوا أسابيع يطالبون بمستحقات لهم عند الخزينة التي ظلت تسدد لهم بالترتيب حيث أي ظلت ترفض سداد أي فاتورة تزيد على المليون (أوقية قديمة) لبعض الوقت. كما ذكرتُ لهم أن البنك يتكلم عن تحسن في الميزانية دون أن يذكر ما وراء ذلك والمتمثل في زيادة التعريفة الجمركية عشرة أضعاف على بعض المواد الغذائية الأساسية وعلى بعض السلع وعلى البنزين، أي على حساب القوت اليومي للمواطن وقوّته الشرائية، وهكذا تمثل الضرائب التي يتم جنيها من المواطن، سواء كانت جارة تقليدية أو استهلاكا، حوالي 55% من محفظة مداخيل الخزينة، فمداخيل الجمارك وحدها تلامس 218مليار أوقية تقريبا ومداخيل الإدارة العامة للضرائب تبلغ 123 مليار تقريبا، والمجموع يصل ما يزيد على 340 مليار. هذه ليست ضرائب على مناخ الأعمال ولا على الصناعة ولا على تعدد الإستثمارات الأجنبية أي أنها ضرائب على نشاط المواطن الضعيف الذي لايحصل على أي رعايةًجيدة ولا تنظيم ، يتجرع مرّ دفعها ولا يكون له منها نصيب في الخدمات العمومية لأن أغلبها يذهب عبر قنوات أخرى ! وكذلك بالنسبة للنمو الذي هو مطية البنك الدولي ومعياره الأوحد، لكن هذا النمو لا يعني التوزيع العادل للعائدات على الشعب بل يعكس غناء 5 أشخاص وتفقير دولة وشعب بأكمله، كما أن معلومات البنك الدولي -حسب تقاريره- لا تتطرق لطريقة توزيع الصفقات ولا للحوكمة والشفافية وهروب المستثمرين وموت المبادرات الحلية ورؤوس الأموال المحلية والأجنبية وموت الشركات المحلية في مجال البناء والمقاولات والإستيراد وتصفية الحسابات الشخصية على حساب دخل الخزينة مثل منع إيراد مارلبورو والحديد ، فقبل مجيئ البنك الدولي -أي في الثمانينيات- كانت منطقة لكصر والميناء والسبخة تعج بمصانع كثير لإنتاج البضائع واليوم، ومع السياسات التوجيهية للبنك ووصفاته وبرامجه الإصلاحية وشروطه، لا توجد مصانع سوى للبسكويت أو المعجنات الغذائية أو للإسمنت. ولا شك أن رأس النظام السابق يملك فيها نصيب الأسد أو يملكه مقربون منه أو حصلت بحمايته.
كما تم التطرق مع مندوبي البنك الدولي لصفقات مشينة مثل هوندونغ وصفقة المطار والتخلي عن منافذ البلد مما يشجع التجارة غير المشروعة، وتم الحديث عن إسنيم التي شهدت عمليات استنزاف واستدانة في نفس الوقت هدفها النهب فقط، كما تناولنا موضوع الكهرباء الذي يمثل 40% من محفظة ديون البلد في حين يعرف انقطاعات متكررة ومضرة بالتجارة والإقتصاد ومزعجة للمواطنين ولا تبرر حجم هذا الإستثمار .
الخلاصة من كل ما تناولناه، عبر الأسئلة أو خلال النقاش، ترمي إلى تنبيه البنك الدولي إلى دوره غير الإيجابي في دعم مرحلة بعيدة من الشفافية ومن الإصلاحات، وأن عليه أن يبحث عن معلومات دقيقة أخرى ويتحدث بلغة صريحة ويساعد الشعب على استرداد أمواله التي أخذت بشعارات محاربة الفساد والإصلاح وغيرها. وكان جواب البنك أنه لا يملك معلومات جميع القطاعات خاصة القطاعات التي لا يتدخل فيها، وأن معلوماته لا يستقيها من الحكومة وحدها بل من هيئات دولية أخرى وإن كانت الحكومة هي الأساس ، كما أنه يُشرك الفاعلين المحليين الاقتصاديين وفاعلي المجتمع المدني في بعض الدراسات والمشاورات. وقال البنك أنه لا يمكنه التدخل للدولة خارجا عن مجال الشراكة معها وأن الاقتصاد لا ينقسم إلى أبيض أو أسود، فهناك شيء يتحسن وشيء يتراجع. وقال الخبراء أن سياسة البنك تعتمد على المعلومات الدقيقة والأرقام وأن تقاريره يتم تدقيقها من خلال سلسلة طويلة من المراجعات، وأنهم دائما يتحدثون عن الوضع ويذكرون المسائل كلها، لكن بصفة إجمالية أولية.
وقد انتهى الاجتماع على أمل التواصل في المستقبل. والحدير بالذكر أنني لم أر أي أثر للدفاع عن ثروة هذا الشعب، أو أي دور ملموس ومستقل لمنظمات المجتمع المدني والفاعلين السياسيين والوطنيين ومكاتب الدراسات والخبرة، رغم أن البلد يقف على مفترق طرق سيقوده إما إلى تسوية الاختلالات ومراجعة الشطط في تسيير الموارد التي عرفتها المرحلة الماضية، وإما إلى طريق الدمار، فعلى أهل البلد اختيار أي الطريقين لبلدهم.




