الكربون الأزرق وتمويل المناخ: كيف يمكن للنظم الساحلية أن تصبح رصيدًا اقتصاديًا لموريتانيا؟
يشهد العالم تحولًا متسارعًا في تقييم الموارد الطبيعية، فلم تعد السواحل والبيئات البحرية تُنظر إليها باعتبارها مجرد خزانات للتنوع البيولوجي أو مصادر للثروة السمكية، بل أصبحت تمثل أصولًا استراتيجية قادرة على الإسهام في مواجهة التغير المناخِي ودعم التنمية المستدامة. وفي هذا الإطار، برز مفهوم الكربون الأزرق بوصفه أحد أبرز الحلول الطبيعية التي تجمع بين حماية البيئة وفتح آفاق جديدة للاستثمار والتمويل.
يقصد بالكربون الأزرق الكربون الذي تمتصه وتخزنه غابات المانغروف، ومروج الأعشاب البحرِية، والسباخ والمستنقعات الملِحية، حيث تمتلك هذه البيئات قدرة استثنائية على احتجاز ثاني أكسيد الكربون داخل الكتلة الحيوية والرواسب لفترات طويلة. وإلى جانب دورها المناخِي، تؤدي وظائف حيوية تتمثل في الحد من تآكل السواحل، والتخفيف من آثار العواصف، وصون التنوع البيولوجي، والمحافظة على الثروة السمكية، وتعزيز الأمن الغذائي.
أدرجت المنظمات الدولية هذا المفهوم ضمن الحلول القائمة على الطبيعة، بعدما أثبتت الدراسات العلمية فعاليته في خفض الانبعاثات وتعزيز قدرة المناطق الساحلية على التكيف مع التغير المناخي. كما أصبح يمثل خيارًا عمليًا يحقق مكاسب بيئية واقتصادية واجتماعية في آن واحد.
تفتح آليات التمويل المناخي وأسواق الكربون أمام الدول الساحلية فرصًا واعدة لتحويل قيمة مواردها الطبيعية إلى مورد اقتصادي مستدام. فالمشاريع التي تستهدف حماية هذه البيئات أو استعادتها يمكن أن تستفيد من التمويل الدولي متى استوفت متطلبات القياس والإبلاغ والتحقق وفق المعايير المعتمدة.
تمتلك الدول المطلة على البحار إمكانات كبيرة للاستفادة من هذا التوجه العالمي، سواء عبر تنويع مصادر الدخل، أو استقطاب الاستثمارات، أو توفير فرص عمل خضراء، أو تعزيز الاقتصاد الأزرق. وبذلك لم تعد المحافظة على البيئة الساحلية تمثل عبئًا تنمويًا، بل أصبحت استثمارًا طويل الأجل في رأس المال الطبيعي.
تتميز موريتانيا بموقع جغرافي وساحل غني بالموارد البيئية، وتحتضن الحظيرة الوطنية لحوض آركين، المصنفة ضمن التراث العالمي، والتي تعد من أهم المناطق الساحلية في غرب إفريقيا. وتوفر هذه المؤهلات قاعدة مناسبة لتطوير مشاريع تستند إلى الكربون الأزرق، بما يعزز قدرة البلاد على استقطاب التمويلات الدولية ودعم سياساتها في مجالي المناخ والاقتصاد الأخضر.
يتطلب تحقيق هذه الغاية تعزيز البحث العلمي، وإعداد خرائط دقيقة لمخزونات الكربون، وتطوير القدرات الوطنية في مجالات القياس والإبلاغ والتحقق، إلى جانب تحديث الأطر القانونية والمؤسسية بما يضمن إدارة فعالة للمشاريع ويعزز ثقة الجهات المانحة والمستثمرين.
يسهم إشراك المجتمعات المحلية في رفع فرص نجاح هذه المبادرات، لأنها تمثل الشريك المباشر في حماية الموارد الطبيعية واستغلالها بصورة مستدامة. كما أن ربط جهود الحماية بتحسين الظروف المعيشية للسكان يضمن استمرارية المشاريع ويعزز آثارها الاقتصادية والاجتماعية.
يؤكد الاهتمام الدولي المتزايد بالكربون الأزرق أن حماية السواحل لم تعد تقتصر على المحافظة على البيئة، بل أصبحت مدخلًا لتعزيز التنمية المستدامة واستقطاب التمويل والاستثمار. وإذا نجحت موريتانيا في استثمار مؤهلاتها الطبيعية وفق رؤية علمية ومؤسسية متكاملة، فإنها ستكون قادرة على تحويل مواردها الساحلية إلى رافعة حقيقية للاقتصاد الأزرق وتعزيز مكانتها ضمن الدول الرائدة في العمل المناخي.
المصادر
• الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC)، تقرير التقييم السادس، 2022.
• برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP)، Blue Carbon and Nature-based Solutions، 2023.
• اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (UNFCCC)، وثائق تمويل المناخ وآليات أسواق الكربون، 2023.
• منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO)، الدراسات المتعلقة بالنظم البيئية الساحلية والعمل المناخي، 2022.
• الجمهورية الإسلامية الموريتانية، المساهمة المحددة وطنياً الثالثة (CDN 3.0)، وزارة البيئة والتنمية المستدامة، 2025.
• منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (UNESCO)، الحظيرة الوطنية لحوض آركين، 2024.
• الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة (IUCN)، Blue Carbon and Nature-based Solutions، 2023.
سيد المختار كواد
باحث في مجالات العقار والتعمير والبيئة وإطار بوزارة البيئة والتنمية المستدامة.
[email protected]




