قراءة تحليلية معمقة في مؤتمر فخامة الرئيس
تابعتُ من خلال البث المباشر المؤتمر الصحفي الذي عقده فخامة رئيس الجمهورية بحضور أكثر من 100 صحفي ومدون، وقد استمر هذا المؤتمر لثلاث ساعات وأربعين دقيقة، طرح خلالها 14 سؤالا، مما يعني بلغة المتوسطات الإحصائية أن طرح السؤال والإجابة عليه استغرقا في المتوسط ربع ساعة، وهو ما يعني أن الرئيس قد وجد الوقت الكافي لتقديم إجابات مفصلة على الأسئلة التي طرحت.
سأقدم في هذا المقال المطول قراءة تحليلية معمقة للمؤتمر الصحفي للرئيس، وأرجو لهذه القراءة أن تتسم بالموضوعية والمهنية، وأنصح ـ مسبقا ـ الذين يبحثون عن آراء انطباعية مختصرة جدا ألا يتعبوا أنفسهم بقراءة المقال، كما أنصح الذين يبحثون عن قراءة "موالية" لا ترى نقصا في المؤتمر الصحفي للرئيس، أو قراءة "معارضة" لا ترى فيه فضلا. أنصح هؤلاء وأولئك بعدم قراءة هذا المقال المطول الذي سيستهلك الكثير من أوقاتهم الثمينة، دون أن يجدوا فيه بضاعتهم التي يبحثون عنها.
خروج مشرف من مخاطرة التوقيت
لقد كانت هناك مخاطرة كبيرة في اختيار التوقيت، فأن يعقد رئيس الجمهورية مؤتمرا صحفيا بعد سبع سنوات من الحكم لم ينظم خلالها مؤتمرا صحفيا بهذا الشكل، ولم يظهر فيها أي انفتاح يذكر على الصحافة الوطنية، وأن يأتي هذا المؤتمر في ظل أزمة عالمية انعكست آثارها بشدة على البلاد، خاصة في شقها المتعلق بارتفاع أسعار المحروقات، وأن يأتي كذلك قبل انطلاق الحوار الذي تعثر كثيرا، وفي ظل تفجر نقاش سياسي حاد بسبب الإجراءات المتخذة ضد نائبتين محسوبتين على المعارضة، وأن يتزامن مع إعلان نتائج الباكالوريا التي لم تكن جيدة، وأن يستبق موسم الخريف الذي يتراجع فيه قلق وتوتر الكثير من الموريتانيين. أن يأتي المؤتمر الصحفي للرئيس في ظل كل هذه التعقيدات التي ذكرنا وتعقيدات أخرى لم نذكرها، فإن في ذلك لمخاطرة كبيرة، ولذا فقد كان يكفي للقول بنجاح هذا المؤتمر أن يخرج الرئيس منه دون خسائر تذكر، والحق يُقال، فالرئيس لم يكتف بالخروج من هذه المخاطرة بأقل خسائر، وإنما خرج منها بنجاح كبير.
لقد جاء الصحفيون للمؤتمر وهم يسرون في أنفسهم بعض المآخذ على الرئيس الذي لم يظهر أي انفتاح عليهم خلال سنواته السبع الماضية، ولا يحتاج المتابع للشأن العام للكثير من الفطنة لاستشعار ما كان يخبئه الصحفيون في أنفسهم، فكثير منهم جاء وفي مخيلته صورة نمطية عن رئيس يتهرب من الصحافة، ويتحاشى مواجهتها، ومنهم من جاء يسعى لإحراج الرئيس في بث مباشر سيتابعه عشرات الآلاف على الأقل.
تبخرت الصور النمطية من مخيلة الصحفيين مبكرا، وأظهر الرئيس الكثير من المرونة واللباقة مع الصحفيين، فخاطب الكثير منهم بأسمائهم، وبذلك أبطل مفعول بعض الأسئلة "المخصبة نوويا"، فلم تنفجر في القاعة، بل أكثر من ذلك فقد حوًّل أجواء المؤتمر الصحفي التي كان يتوقع لها "خبراء الرصد" أن تمطر مفاجآت ولقطات إثارة وربما تشنجات في غير صالحه، حولها إلى أجواء هادئة وودية، وبقيت كذلك رغم طول مدة المؤتمر، وما سبقه من طول انتظار، وفي ظل غياب أي شيء يمكن اللجوء إليه، حتى الماء فقد كان غائبا، ولم يوضع أمام الرئيس كأس ماء يأخذ منه جرعة بين السؤال والسؤال، أو بين الساعة والساعة.
وفي مداخلة ذكية، جمعت بين الجدية والدعابة، وربما تكون من أكثر الوسائل فعالية لتلطيف أجواء المؤتمر، برر الرئيس تأخر اللقاء مع الصحافة بكونها لم تعبر فيما مضى عن الحاجة إلى لقاء معه، وأن عندها من الأخبار الكثير. قال ذلك بطريقة يفهم منها أنه أراد أن يقول إنها تمتلك من الأخبار أكثر مما يمتلك القائمون على إدارة شؤون البلد.
خلاصة هذه الفقرة الأولى من المقال: لقد خاطر الرئيس في تنظيم مؤتمره الصحفي في توقيت حرج، ومع ذلك فقد استطاع أن يحطم الصورة النمطية التي رسمها عنه بعض الصحفيين. كما استطاع أن يظهر للرأي العام الوطني وللشعب عموما، من خلال هذا المؤتمر، أنه يتابع جميع الملفات بشكل جيد، وعلى إلمام بكل تفاصيلها.
الرئيس والإعلام
قبل أن أبدأ في التعليق على بعض الأسئلة وأجوبتها، قد يكون من المهم أن نتحدث قليلا عن إخفاق الذراع الإعلامي للرئيس أو على الأصح للنظام بشكل كامل، وللتحدث كذلك عن إخفاق الإعلام العمومي الذي تنفق عليه المليارات من أموال الشعب الموريتاني، والذي يبدو أنه فشل كما فشل الذراع الإعلامي للنظام في تسويق منجزات الحكومة.
قد يقول قائل إن تسويق العمل الحكومي ليس أولوية من أولويات للإعلام العمومي. هذا قولٌ صحيحٌ، ولكن من المعروف أن مهمة الإعلام العمومي الأولى في بلدنا، وربما الأخيرة، هي تسويق إنجازات الحكومة، وهو عندما يفشل في تسويق إنجازات الحكومة يكون قد فشل في كل شيء.
من الراجح، حسب بعض المؤشرات الدالة، أن الرئيس غير راض عن أداء الذراع الإعلامي لنظامه في تسويق منجزاته، ويظهر عدم الرضا في خطاباته التي يلقي في المناسبات المعهودة كمناسبة الاستقلال مثلا، فهو في هذه المناسبة يلقي خطابا مطولا، يعدد فيه الإنجازات، وكأنه يشعر بأن إنجازاته لم تسوق إعلاميا وسياسيا بشكل جيد، وربما يكون سبب تنظيم المؤتمر الصحفي هو شعور الرئيس بأن إنجازاته لم تسوق بشكل جيد، وإذا كانت هذه الفرضية صحيحة، فمن حقنا أن نسأل لماذا تأخر الرئيس في تنظيم مؤتمره الصحفي لسبع سنوات؟ أليس في تأخيره إضاعة لفرصة التحدث بشكل مباشر للصحفيين ومن خلالهم للرأي العام الوطني عن المنجزات التي تحققت؟ وإذا كان الرئيس غير راض عن أداء الذراع الإعلامي لنظامه فلماذا لا يحدث تغييرا جوهريا في هذا الذراع؟
إن فرضية عدم الرضا عن الذراع الإعلامي، إن استخدمناها في هذا التحليل، فإنها ستصطدم بقوة بإحدى إجابات الرئيس التي قال فيها إنه راض تماما عن أداء الحكومة، فهذا يعني أنه راض تماما عن أداء الإعلام الرسمي الذي يشكل جزءا لا يتجزأ من أداء الحكومة.
في المجمل، فإن هناك مقاييس وأدلة قد تساعدنا في الحكم على حسن أو جودة أداء الحكومة، أي حكومة كانت، ويمكن أن نجمع هذه الأدلة والمقاييس في شرطين أساسيين، لا بد من توفرها للحكم بالإيجاب على الأداء الحكومي:
1 ـ أن تكون هناك إنجازات ملموسة قد تحققت على أرض الواقع؛
2 ـ أن يتولد لدى المواطن شعور قوي بوجود تلك الإنجازات.
وفي ظل غياب أي من الشرطين فسيكون من الصعب جدا الحكم إيجابا على حسن الأداء الحكومي، فإذا ما تحققت إنجازات على الأرض، ولم يتم تسويقها إعلاميا لدى المواطن حتى يستشعرها، فسيبقى الأداء الحكومي في هذه الحالة دون المستوى المطلوب. وإذا ما اعتبرنا أن الشرط الأول قد تحقق، فمن المؤكد أن الشرط الثاني لم يتحقق، فالكثير من المواطنين لا يشعر اليوم بما تحقق من إنجازات.
يمكنني أن أجزم بأن أكثر من 90 % من النخبة، ولا أقول من المواطنين العاديين، لم تكن على علم قبل مؤتمر الرئيس من أن نسبة صفقات التراضي كانت تمثل 27% في العام 2019، وأنها انخفضت إلى 4.6% في نهاية العام 2025. على الأقل هذا إنجاز مهم لم يسوق للمواطنين، بل إنه لم يسوق للنخبة.
قد لا نحمِّل الحكومة بكاملها مسؤولية ذلك، فمهمة تسويق الإنجازات تبقى من مسؤولية الذراع السياسي والإعلامي للنظام.
الشيء المؤكد لدي بخصوص هذه الجزئية هي أن مؤسسات الإعلام الرسمي، والمكتب الإعلامي للرئاسة ووزارة الإعلام، وكل الجهات المعنية الأخرى، لم تتمكن حتى الآن من تسويق الأداء الحكومي الذي أعلن الرئيس عن رضاه عنه في مؤتمره الصحفي، ولا أظنها ستتمكن من ذلك مستقبلا، ما دامت تستخدم نفس الأساليب التقليدية، فاستخدام نفس الأساليب يؤدي دائما إلى نفس النتائج.
رحب الرئيس في مؤتمره الصحفي بنقد السياسات العمومية، وذلك خلال إجابته على سؤال متعلق بما بات يعرف بقانون الرموز، وأكد أنه يحبذ النقد المرفق بمقترحات، وعملا بذلك في هذه الفقرة من المقال، فأذكر في هذا المقام أني قدمتُ مقترحا لمعالي الوزير الأول عن ضرورة إطلاق منصة رقمية لمراقبة ومتابعة الأداء الحكومي، وذلك بعد إعلانه أمام البرلمان عن 304 التزامات في خطة الحكومة السنوية للعام 2025. تقوم الفكرة على إطلاق منصة تتضمن برنامج "طموحي للوطن" بشكل عام، وتظهر فيها مع كل سنة خطة الحكومة لتلك السنة، مع خريطة موريتانيا، وبها كل الولايات، وعلى خريطة كل ولاية توضع الالتزامات الخاصة بتلك الولاية في خطة الحكومة لذلك العام، وكلما نفذَت الحكومة أحد تلك الالتزامات بشكل كامل تحول لونه إلى اللون الأخضر. أما إذا كان ذلك الالتزام ما زال في طريقه للإنجاز فإنه يلون باللون الأصفر، أما إذا تعثر تنفيذه مع انقضاء الأجل، فيلون باللون الأحمر. مع نهاية السنة سيكون بإمكان كل مواطن ـ أينما كان ـ أن يعرف ما تحقق في ولايته أو مدينته من الإنجازات التي تعهدت بها الحكومة في ذلك العام، وما هو في طريقه للتحقق، وما تعثر من مشاريع. ليس هذا فقط، فالالتزامات يمكن أن توزع أيضا حسب القطاعات الحكومية، وبضغطة زر في نهاية العام يمكن أن نعرف ما تحقق من التزامات كل وزارة، وما هو في طريقه للتحقق، وما تعثر من التزامات، وبذلك يكون بإمكان كل واحد منا أن يحكم إيجابا أو سلبا على أداء الحكومة بكاملها، وعلى أداء كل وزير على حدة. هذه المنصة يمكن أن تطلقها الحكومة، مع أن ذلك ليس هو الخيار الأفضل، ويمكن أن يطلقها المجتمع المدني ـ وذلك ما كنتُ أسعى إليه ـ ولكن تبقى هناك الحاجة دائما إلى تعاون الحكومة، فهي التي ستزود بالمعلومات، وبما تحقق ميدانيا من إنجازات، مع العلم أن كل إنجاز تحقق لن توضع له الإشارة الخضراء قبل أن تنظم له زيارة ميدانية له، وتجمع عنه معلومات شاملة، وتؤخذ منه صور لتوضع على منصة مراقبة ومتابعة الأداء الحكومي.
سؤال المأموريات والتمديد
كان السؤال الأول في المؤتمر الصحفي عن الحوار والمأموريات والتمديد، وهذا طبيعي جدا، فالحديث عن تعديل الدستور وفتح المأموريات يحتلُّ مساحة واسعة في نقاشات الموريتانيين في الفضاءات العامة والخاصة، وبخصوص الجواب على السؤال، ففي اعتقادي أن الرئيس قد حسم موضوعا كان محسوما أصلا من خلال الدستور ومواده المحصنة.
المشكلة أن هذا الموضوع يُثار دائما بطريقة غير مناسبة، وما كان من المناسب أن يثار اصلا، فربما تكون بعض الأطراف في الأغلبية قد طرحته كردة فعل على أصوات أخرى داخل الأغلبية بدأت في السنة الأولى من المأمورية الثانية، وفي وقت مبكر جدا، بتسويق هذا الموظف السامي أو ذاك على أنه سيكون مرشح النظام في العام 2029، ولا تخفي خطورة ذلك، فالنظام يجب ألا يعلن عن مرشحه إلا في آخر سنة من المأمورية الثانية، على العكس من المعارضة، التي يطلب منها أن تعلن عن مرشحها قبل العام الثالث من المأمورية، والراجح أنها لن تتمكن من ذلك، ولا من الاتفاق على برنامج موحد ومرشح توافقي أو شبه توافقي.
تُشارك أيضا المعارضة في إثارة موضوع التعديلات الدستورية وفتح المأمورية، وهذا أيضا خطأ، فالمعارضة يجب أن تظهر دائما على أن ملف المأموريات غير مطروح أصلا للنقاش، وعليها أن تعتبر أي إثارة لهذا الملف من طرف شخص هنا أو هناك في الأغلبية بأنه حديث غير جاد، ولا يستحق الرد، فتكرار حديث المعارضة عن رفض فتح المأموريات، قد يعطي الانطباع أن فتحها أمر ممكن وقابل للنقاش.
خلاصة هذه الفقرة، هي أن الرئيس لا يتوقع منه الآن في العام 2026، أن يقول بشكل فصيح وصريح أنه سيغادر السلطة في العام 2029، فقول ذلك له كلفته السياسية الكبيرة. ومع ذلك فيمكن القول إن الرئيس قد أغلق في مؤتمره الصحفي هذا الملف، الذي ما كان يجب أن يفتح أصلا، ولكن المشكلة أن بعض الأطراف في الأغلبية قد تعود لطرحه من جديد، فترد عليها بعض الأطراف في المعارضة، فنعود من جديد إلى نقاش ساذج وعقيم عن فتح المأموريات.
سؤال الفساد: الأطول إجابة والأوسع تفاعلا
حُظي سؤال الفساد بإجابة هي الأطول، وبتفاعل هو الأوسع في إطار التعليقات على المؤتمر الصحفي في منصات التواصل الاجتماعي، ويؤكد ذلك مدى اهتمام الرأي العام الوطني بمحاربة الفساد. الرئيس تحدث في جوابه عن مؤشرات تدل على عكس ما جاء في السؤال من التفشي الواسع للفساد في هذا العهد، فتحدث عن زيادة الموارد المالية للدولة، وارتفاع حجم المشاريع والبرامج الممولة من ميزانية الدولة، وتراجع نسبة الدين من الناتج الداخلي الخام من 91% في العام 2019 إلى نسبة تتراوح ما بين (40 ـ 45) % في العام الحالي، وكذلك تراجع نسبة صفقات التراضي.
كما تحدث الرئيس أيضا عن المنظومة القانونية لمحاربة الفساد، وعن إصدار التقارير من طرف المؤسسات الرقابية، وعن سلطة مكافحة الفساد المستحدثة مؤخرا، كما تحدث عن الفساد الأخلاقي والاجتماعي والسياسي.
كل هذه الإنجازات التي تحدث عنها الرئيس مهمة، ومع ذلك فلا بد من المطالبة بالمزيد من الصرامة في تنفيذ العقوبات ضد المفسدين، وإبعاد كل من تدور حوله شبهة الفساد من التعيينات والترقيات، فبدون ذلك، فإن كل الإجراءات الأخرى المتخذة لمحاربة الفساد ستبقى ذات تأثير ضعيف، حتى لا نقول منعدمة التأثير.
معلومات كشفت لأول مرة في المؤتمر
كشف الرئيس أنه لما قرر توسعة جامعة نواكشوط، بما يمكن من استيعاب 11 ألف طالب جديد، نصحه البعض بترك هذه التوسعة، وتشييد جامعة جديدة في مكان آخر، تحسب له مستقبلا بصفتها إنجازا شخصيا، ولكنه رفض الفكرة لأنه يرى أن المهم هو قيمة المنجز لا لمن سيحسب ذلك الإنجاز.
الشيء نفسه حدث مع توسعة مستشفى القلب، فالتمويل الذي حصل عليه كان كافيا لتشييد مستشفى جديد للقلب، ولكن الرئيس بدلا من تشييد مستشفى جديد للقلب ينسب له مستقبلا كمنجز شخصي، فضل تحسين خدمات مستشفى القلب القائم، مؤكدا أن ذلك لن يمنع مستقبلا من تشييد مستشفيات جديدة.
هذه المعلومات التي كشفها الرئيس تستحق الإعجاب، ويجمعها خيط ناظم مع معلومات وأجوبة أخرى، وهي تعكس في مجملها جانبا من أسلوب الرئيس في الحكم لم يحظ بما يستحق من إنارة، فالرئيس يسعى لبناء دولة مؤسسات أكثر من سعيه لبناء مجد شخصي، وهو يتحدث دائما عن أهمية استقلال السلط، ويؤكد كلما وجد مناسبة لذلك أنه لا يتدخل في عملها، وأن مكافحة الفساد عمل مؤسسي، وهكذا...حتى إنه عندما سئل عن كيف يريد أن يتذكره التاريخ، لم يقل إنه يريد أن يتذكره التاريخ بإنجازات عملاقة تحسب له في مجال شق الطرق أو تشييد المنشآت بمختلف أصنافها، وإنما تحدث عن الاستقرار والأمن، وتكريس استقلالية المؤسسات الدستورية، وتعزيز الوحدة الوطنية واللحمة الاجتماعية، وتراجع الغبن والهشاشة إلى أقصى حد.
ملفات غابت عن المؤتمر
لقد غابت ملفات مهمة عن المؤتمر كملف التعليم، حيث تراجعت نسبة النجاح في الباكالوريا من 39% في العام 2024، إلى 20% في العام 2025، إلى 13% في هذا العام دون إضافة نتائج الدورة التكميلية التي لم تظهر. فإدا كان هذا التراجع نتيجة للمحاربة الصارمة للغش فهذا مؤشر جيد، وإذا لم يكن نتيجة لذلك، فنحن أمام كارثة حقيقية.
كما غاب عن المؤتمر الصحفي ملف ارتفاع أسعار المحروقات، وبناء دولة المواطنة، وقد تحدث الرئيس في جملة واحدة عن المواطنة، والتي تهمنا كثيرا في "ميثاق المواطنة".
لم تغب المواطنة وقيمها عن برنامج الرئيس ولا عن خطاباته، وبالفعل، فقد اتخذت إجراءات مهمة في سبيل تعزيز قيم المواطنة وترسيخها، ولكن في المقابل اتخذت إجراءات معاكسة أخرى شوشت على الإجراءات الهادفة لتعزيز قيم المواطنة، ومن ذلك تعيين شخصيات في وظائف سامية، نظمت قبيل تعيينها أنشطة قبلية تمت تغطيتها في منصات التواصل الاجتماعي، نصبت فيها تلك الشخصيات أمراء في قبائلها، وتلقت المباركة من شخصيات سامية في الدولة.
من المؤكد أن تعيين شخصيات في مناصب سامية نظمت اجتماعات قبلية تمت تغطيتها إعلاميا، بعد إصدار تعميم من وزارة الداخلية يحظر مثل هذه الاجتماعات القبلية، من المؤكد أن ذلك سيشوش كثيرا على الجهود المبذولة لبناء دولة المواطنة. الشيء نفسه يمكن أن نقوله عن تعيين أصحاب الخطابات الشرائحية والفئوية في وظائف عادية أو سامية.
ومما يشوش أيضا على الجهود المبذولة لبناء دولة المواطنة الاستمرار في التقليد القاضي بأنه كلما أقيل موظف من قبيلة معينة عُيِّن بدلا منه موظف من القبيلة نفسها، وكلما أقيل موظف من فئة أو مكونة وطنية عُيِّن بدلا منه موظف من الفئة أو المكونة نفسها.
أذكر أني كنتُ مع صديق في سيارته، وكنا ذاهبين لتعزية صديق آخر، وكان صديقي يعتمد للوصول إلى مكان التعزية على وسيلتين في تحديد المواقع، إحداهما تقليدية، وتتمثل في رسالة صوتية تحدد مكان التعزية بالأساليب التقليدية المعروفة، أي اذهب في اتجاه كذا، حتى تصل لشارع كذا، ثم انحرف في اتجاه بقالة هناك، وهكذا.. أما الوسيلة الثانية فهي حديثة وتعتمد على تشغيل خرائط "غوغل". كان صديقي يستخدم مرة الرسالة الصوتية وأسلوبها التقليدي في تحديد الموقع، ويستخدم مرة أخرى تحديد الموقع عن طريق الخرائط وأسلوبه المعاصر، وسبب لنا الجمع بين الأسلوبين التقليدي والمعاصر إرباكا كبيرا عقد علينا عملية الوصول إلى المنزل المستهدف.
طلبتُ من صديقي أن يعتمد بشكل كامل على إحدى الوسيلتين للوصول إلى المنزل المستهدف، وأن يتجاهل بشكل كامل الوسيلة الثانية، وهذا هو ما نحتاجه اليوم في بناء الدولة، فإما أن نعتمد على الأساليب التقليدية من خلال إرضاء من يرفعون لواء القبيلة أو الشريحة أو الفئة، أو نعتمد على الأسلوب المعاصر، من خلال بناء دولة المواطنة، يكون التعيين فيها على أساس الكفاءة والجدارة، مع غلق الأبواب والمنافع ـ وبشكل كامل ـ أمام كل من يقحمون القبيلة أو الشريحة أو الفئة في قضايا الشأن العام.
تغطية متميزة
أظنها أول مرة في تاريخ البلد تتم فيها ترجمة فورية وتغطية مباشرة لحدث كبير باللغات الوطنية. لقد خصصت التلفزة الموريتانية قنواتها لنقل المؤتمر الصحفي وبثه بشكل مباشر بكل لغاتنا الوطنية. فبُثَّ المؤتمر بترجمة فورية وبشكل مباشر بالبولارية على قناة الموريتانية الثانية، وبالسوننكية على القناة الثقافية، وبالولفية على القناة الرياضية.
إن هذه التغطية المتميزة التي تحدث لأول مرة تستحق التثمين، ونأمل في الحملة الشعبية للتمكين للغة العربية وتطوير لغاتنا الوطنية، أن تكون بداية لاعتماد مقترح تقدمنا به إلى وزارة الثقافة منذ خمس سنوات تقريبا، وتحديدا في يوم 21 أكتوبر 2021، وذلك من خلال رسالة رسمية وقعها رئيس الحملة، معالي الوزير السابق صو آبو دمبا، دعت إلى تخصيص بث بعض قنوات الموريتانية، خاصة في أوقات الذروة، للغات الوطنية: البولارية والسوننكية والولفية، وبما يضمن حضورا أوسع لهذه اللغات في وسائل الإعلام العمومية.
إن التفعيل الكامل والشامل لترسيم اللغة العربية وتطوير اللغات الوطنية يمثلان خيارا وطنيا متكاملا، يعزز الوحدة الوطنية ويحافظ على التنوع الثقافي، ولهذا فإننا ندعو قناة الموريتانية والجهات المعنية إلى تحويل الترجمة الفورية للمؤتمر الصحفي لفخامة الرئيس إلى سياسة إعلامية دائمة، تسهم في حضور أوسع للغات الوطنية في البرامج والنشرات والخدمات الإعلامية العمومية، انسجاما مع ديباجة الدستور التي نصت على أن اللغات الوطنية تعتبر موروثا وطنيا مشتركا لجميع الموريتانيين يجب على الدولة باسم الجميع أن تحفظه وتطوره.
ختاما
لقد نجح فخامة الرئيس في تصحيح العديد من الصور والأحكام النمطية، وبدأ في إعادة بناء علاقة قوية بين الرئاسة والرأي العام الوطني، قائمة على التواصل المباشر مع الصحافة، ومن هذا المنظار يمكن القول إن المؤتمر الصحفي كان ناجحا، وحقق الرئيس من ورائه مكاسب كبيرة.
ومع ذلك يبقى السؤال الكبير مطروحا: كيف نحول رضا الرئيس عن الأداء الحكومي إلى رضا شعبي عن الأداء الحكومي؟
في اعتقادي الشخصي أننا بحاجة إلى عمل كبير ليرضى المواطن بشكل كامل عن أداء الحكومة، ولن يتحقق ذلك إلا بالمزيد من الإنجازات على أرض الواقع، وبعمل استراتيجي كبير يهدف إلى تسويق تلك الإنجازات إعلاميا وسياسيا حتى يستشعرها المواطن أينما كان.
حفظ الله موريتانيا...
محمد الأمين الفاظل




