الخميس
2026/07/16
آخر تحديث
الخميس 16 يوليو 2026

من يقود التكوين البحري؟ سؤال يفرضه مشروع بناء الأسطول الوطني

منذ 1 دقيقة
من يقود التكوين البحري؟ سؤال يفرضه مشروع بناء الأسطول الوطني
طباعة

مع دخول موريتانيا مرحلة جديدة من الاستثمار في بناء أسطول وطني لصيد أسماك السطح الصغيرة، لم يعد النقاش حول التكوين البحري ترفًا مؤسساتيًا، بل أصبح قضية استراتيجية ترتبط مباشرة بنجاح هذا المشروع الوطني.

فالسفن يمكن اقتناؤها، لكن تشغيلها بكفاءة يتطلب طواقم وطنية مؤهلة، تمتلك الخبرة العملية والمعرفة التقنية التي تفرضها طبيعة هذا النشاط. واليوم، وبينما تصل أولى السفن المخصصة لصيد أسماك السطح، ما يزال القطاع يعاني نقصًا واضحًا في البحارة والضباط والمهندسين الوطنيين القادرين على قيادتها، وهو ما يفرض إعادة النظر في فلسفة التكوين البحري برمتها.

المشكلة لا تكمن في جودة التكوين داخل الأكاديمية البحرية، وإنما في النموذج الذي يحكمه. فالتكوين الموجه لمهن الصيد التجاري يختلف في أهدافه ومناهجه ومتطلباته عن التكوين العسكري. فلكل منهما رسالته، ولكل منهما معاييره ومجالاته التشغيلية.

فالعسكرية تُعنى بإعداد أفراد القوات البحرية وفق متطلبات الدفاع والسيادة والانضباط العسكري، بينما يهدف التكوين المهني في قطاع الصيد إلى إعداد كفاءات قادرة على استغلال الموارد البحرية، ورفع الإنتاجية، وتحسين الجودة، وضمان سلامة العمليات التجارية، والاستجابة لاحتياجات سوق العمل البحري.

ومن هنا، فإن تبعية التكوين المهني البحري لقطاع الصيد ليست مجرد خيار إداري، بل ضرورة تنموية تفرضها طبيعة المهنة نفسها، حتى تكون البرامج والتخصصات مرتبطة مباشرة بحاجيات الأسطول الوطني، وبالتحولات التي يعرفها القطاع، خاصة في مجال صيد أسماك السطح الصغيرة بالشباك الدائرية.

وفي هذا السياق، فإن استقلال التكوين البحري المدني عن الأكاديمية البحرية يمثل فرصة لإعادة بناء المنظومة على أسس جديدة، ويضع على عاتق الوكالة الموريتانية للشؤون البحرية، باعتبارها الجهة الوصية على التكوين البحري المدني، مسؤولية قيادة هذه المرحلة برؤية أكثر ارتباطًا بالاقتصاد البحري.

ومن بين أهم الأولويات التي ينبغي أن تتصدر هذه الرؤية اقتناء سفينة مدرسية متخصصة في صيد أسماك السطح الصغيرة باستخدام الشباك الدائرية، لتكون مدرسة عائمة للتطبيق العملي، يكتسب عليها البحارة والضباط والمهندسون الخبرة الميدانية التي لا يمكن أن توفرها القاعات الدراسية وحدها.

فلا يوجد تكوين بحري ناجح في العالم دون تدريب عملي منتظم على متن سفن حقيقية. والسفينة المدرسية ليست وسيلة تعليمية فحسب، بل استثمار استراتيجي في رأس المال البشري، وضمانة لتخريج أطقم وطنية قادرة على تشغيل الأسطول الوطني بكفاءة منذ اليوم الأول.

كما يمكن أن تؤدي هذه السفينة دورًا إنتاجيًا إلى جانب دورها التكويني، من خلال المساهمة في توفير الأسماك الصالحة للاستهلاك البشري، ودعم تموين السوق المحلية، وتزويد مصانع التجميد بالمواد الأولية، بما يجعلها نموذجًا يجمع بين التكوين والإنتاج وخدمة الاقتصاد الوطني.

إن نجاح مشروع الأسطول الوطني لن يقاس بعدد السفن التي تدخل الخدمة، بل بمدى قدرة موريتانيا على تشغيلها بكفاءات وطنية. ولذلك فإن الاستثمار الحقيقي لا يبدأ من شراء السفينة، وإنما من تكوين الإنسان الذي سيقودها.

واليوم، تبدو الفرصة سانحة أمام الوكالة الموريتانية للشؤون البحرية لتأسيس نموذج جديد للتكوين البحري، يكون مرتبطًا مباشرة باحتياجات قطاع الصيد، ويواكب الرؤية الوطنية لبناء اقتصاد أزرق قائم على الكفاءة الوطنية، وتحقيق الأمن الغذائي، وتعزيز القيمة المضافة للثروة السمكية.

الاتحادية العامة للصيد
FGP