الدكتور محمد ولد محمد الحسن يكتب: إعادة الاعتبار للترشحات المستقلة
رسالة مفتوحة إلى فخامة رئيس الجمهورية
وإلى الرأي العام الوطني
◇ إعادة الاعتبار
للترشحات المستقلة
° مدخلٌ لاستعادة الديمقراطية الموريتانية
فخامة رئيس الجمهورية
أتوجه إليكم بما يليق بمقامكم الرفيع من احترام ، وبما تمليه المصلحة العليا للوطن من صراحة وحرية في الرأي . كما أتوجه إلى جميع أبناء شعبنا ، لأن مستقبل الديمقراطية الموريتانية ليس شأنا يخص فردا أو حزبا ، بل هو قضية وطنية تتعلق بمصير جمهوريتنا ومستقبل أجيالها .
إن الديمقراطية ليست مجرد إجراءات انتخابية أو مواعيد للاقتراع، بل هي قبل كل شيء ، منظومة أخلاقية تقوم على حرية الاختيار ، وتكافؤ الفرص ، والكفاءة ، والنزاهة ، وسيادة المصلحة العامة .
غير أن الأمانة تقتضي الاعتراف بأن نظامنا السياسي قد أخذ - مع مرور الزمن - يبتعد شيئا فشيئا عن هذه المبادئ المؤسسة .
فالأحزاب السياسية التي أنشئت لتكون مدارس للديمقراطية ومنابر للحوار ، وحواضن للأفكار ، وأدوات للتمثيل الشعبي ، تحولت في حالات كثيرة إلى مجرد هياكل تنظيمية ، تفتقر إلى الامتداد الحقيقي داخل المجتمع . وإلى جانب بعض الأحزاب الجادة ، برزت أحزاب لا يكاد يتجاوز دورها الوجود الشكلي . ويغلب على نشاطها خدمة اعتبارات ظرفية أكثر من خدمة مشروع وطني جامع . والأخطر من ذلك ، أن الحياة السياسية أصبحت تتأثر تدريجيا بمنطق القبيلة ، والانتماءات الإثنية ، والزبونية ، وسطوة المال .
فعندما تصبح القدرة المالية أبلغ أثرا من قوة الفكرة ، ويغدو الانتماء الضيق أقوى من روح المواطنة ، تتحول الديمقراطية من فضاء للاستحقاق إلى سوق للمصالح والنفوذ .
وعليه ، تقرر إحدى القواعد الاقتصادية المعروفة، أن " العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة " . ويبدو أن هذا القانون يجد اليوم تجسيده في واقعنا السياسي . فالمال السياسي ، وشبكات النفوذ ، والحسابات الفئوية ، والمصالح الخاصة ، أخذت تزاحم الكفاءة والنزاهة الوطنية ، والاستقلال في الرأي ، وروح الدولة ، والإخلاص للصالح العام .
ولا يخفى أن أول المتضررين من هذا المسار ، هم خيرة أبناء الوطن :
- أصحاب الضمائر الحية ،
- والحكماء ،
- والمثقفون ،
- والجامعيون ،
- والكفاءات المهنية ،
- والشباب الواعد ،
- والوطنيون الصادقون ،
- وفاعلو المجتمع المدني ،
- وكل من يرفض أن يجعل ضميره سلعة للمساومة .
فكثير منهم آثروا الابتعاد عن العمل السياسي بعدما أيقنوا ، أن المال وشبكات الولاء أصبحت ، في أحيان كثيرة ، أرجح من الأفكار والكفاءات .
ويزداد الأمر خطورة عندما تتحول التزكيات الانتخابية - لدى بعض الأحزاب - إلى سلعة تخضع للمساومة والمزايدة ، فتبلغ قيمتها عشرات الملايين من الأوقية ؛ ويصبح معيار الاختيار هو القدرة المالية لا الكفاءة ولا الخبرة ولا خدمة الوطن .
وحين تصبح التزكية سلعة ، يغدو المقعد البرلماني معرضا لأن يُنظر إليه باعتباره استثمارا ينبغي استرداد كلفته وتحقيق أرباح منه . وهو ما يمس بجوهر الرسالة النبيلة للتمثيل الوطني .
من هنا تبدو الحاجة ملحة إلى مراجعة بعض الامتيازات المرتبطة بالعضوية البرلمانية . فالجواز الدبلوماسي الذي شرع أساسا لخدمة مهام الدولة ، لا ينبغي أن يكون امتيازا ملازما لصفة " النائب " ، بل الأولى أن يُستعاض عنه بجواز خدمة ، يمنح عند التكليف بمهام رسمية ، حفاظا على هيبة المؤسسات ، وترشيدا للامتيازات ، ومنعا لكل مظاهر سوء الاستعمال .
أقول هذا بكل صراحة ، لأنني أتحمل نصيبي من المسؤولية الفكرية .
لقد كنت من أوائل الداعين إلى جعل الأحزاب السياسية ، الفاعل الأساسي في الديمقراطية ؛ وإلى منحها حق تقديم المرشحين للانتخابات التشريعية ، إيمانا مني بأن ذلك سيؤدي إلى تنظيم الحياة السياسية ، وتعزيز المؤسسات ، وترسيخ الديمقراطية الناشئة .
غير أن التجربة أثبتت أن هذه الفكرة ، لم تعد تحقق الغاية التي وُضعت من أجلها .
فاحتكار تقديم الترشيحات حرم في حالات عديدة شخصيات وطنية مستقلة ، مشهودا لها بالكفاءة والاستقامة والإخلاص للمصلحة العامة من الوصول إلى البرلمان ... فقط لأنها رفضت الخضوع للحسابات الحزبية أو لموازين النفوذ والمال .
وعليه ، لا يجوز لأي ديمقراطية حقيقية أن تجعل من الأحزاب بوابة حصرية للتمثيل الشعبي .
لهذا أصبحت مقتنعا بأن الوقت قد حان لإعادة الاعتبار للترشحات المستقلة في الانتخابات التشريعية والمحلية . ولا يعني ذلك الانتقاص من مكانة الأحزاب . فالديمقراطية لا تستقيم من دون أحزاب قوية وفاعلة وذات مصداقية . لكنها كذلك ، لا تستقيم إذا أغلقت أبوابها أمام الكفاءات الوطنية المستقلة ، التي ترغب في خدمة وطنها ، بعيدا عن الاصطفافات الحزبية أو النفوذ المالي .
كما ينبغي أن يتزامن هذا الإصلاح مع تعزيز الشفافية في تمويل الحياة السياسية ، وتشديد الرقابة على الإنفاق الانتخابي ، ومكافحة الزبونية ، والقبلية ، وكل مظاهر الفساد التي تنتقص من حرية الإرادة الشعبية .
فخامة رئيس الجمهورية
إن التاريخ يمنح أحيانا لقادة الدول فرصة إنجاز إصلاحات تتجاوز حدود المأموريات ؛ وتبقى راسخة في ذاكرة الأوطان . وإن إعادة الاعتبار للترشحات المستقلة ، وإصلاح تمويل الحياة السياسية ، واستعادة الأحزاب لدورها الطبيعي ، وإعلاء قيمة الكفاءة والاستحقاق ، ستكون جميعها خطوات مفصلية في مسار ترسيخ الديمقراطية الموريتانية.
فموريتانيا لا ينقصها الرجال والنساء الأكفاء ، ولا الوطنيون المخلصون ؛ وإنما ينقص كثيرا منهم أن تتاح لهم فرصة عادلة وشفافة ومتساوية ، للوصول إلى مواقع التمثيل الوطني .
إن جمهوريتنا تستحق حياة سياسية تنتصر فيها المبادئ على المصالح ، والأفكار على الولاءات ، والاستحقاق على الثروة ، والمصلحة العامة على المصالح الخاصة .
إن إعادة الاعتبار للترشحات المستقلة ، تعني إعادة جزء من السيادة إلى الشعب الموريتاني ؛ وإفساح المجال أمام الكفاءة لتستعيد مكانتها ؛ وإعادة الثقة بين المواطن ومؤسسات دولته . وليس في مراجعة أي إصلاح ما ينتقص من هيبة الدولة . بل إن قوة الديمقراطية تكمن في قدرتها على تصحيح مسارها كلما كشفت التجربة عن الحاجة إلى ذلك .
ومن هذا المنطلق ، أتوجه إلى فخامتكم بهذا النداء ، مؤمنا بأن مستقبل ديمقراطيتنا يستحق أن نرتفع فوق الحسابات الضيقة ، وأن نتكاتف جميعا من أجل خدمة موريتانيا .
والله ولي
التوفيق .
محمد ولد محمد الحسن
الرئيس المؤسس لمعهد مددراس2Ires
ومدرسة مدار
في 10 يوليو 2026




