الأربعاء
2026/07/1
آخر تحديث
الأربعاء 1 يوليو 2026

الجزء الثاني من الحلقة الثالثة من سلسلة موريتانيا بعد 2029: هل نبني دولة أم نهدر الفرصة الأخيرة؟

منذ 7 ثانية
الجزء الثاني من الحلقة الثالثة من سلسلة موريتانيا بعد (…)
طباعة

والتي سوالها : لماذا ما زالت النخبة تفكر بعقل الأمس؟ وما الذي ننتظره من حوارها؟

لقد كانت أغلب تلك الحوارات تدور، بدرجات متفاوتة، حول إدارة الخلافات السياسية، وتقاسم مساحات التوافق، وتسوية الأزمات الآنية، بينما بقي السؤال الذي يفترض أن يسبق كل تلك القضايا غائباً: أي دولة نريد أن تكون موريتانيا بعد عشرين أو ثلاثين سنة؟

إن الدول لا تُبنى بالحوار من أجل الحوار، ولا بالتوافق من أجل التوافق، وإنما تُبنى عندما يصبح الحوار وسيلة لإنتاج رؤية وطنية، ويصبح التوافق أداة لتنفيذ مشروع للدولة، لا مجرد آلية لتجاوز خلاف سياسي عابر.

ولعل هذا ما يفسر لماذا عادت كثير من الملفات التي نوقشت خلال السنوات الماضية إلى واجهة النقاش من جديد. فالمشكلة لم تكن دائماً في ضعف الإرادة، ولا في نقص الكفاءات، وإنما في أن النقاش كان ينصرف، في كثير من الأحيان، إلى معالجة نتائج المشكلات، أكثر من انصرافه إلى إعادة النظر في النموذج الذي ينتجها.

ولهذا فإن إعادة إنتاج المشهد نفسه، بالأشخاص أنفسهم، والمنهج نفسه، والعناوين نفسها، لا توحي بأننا بصدد تأسيس مرحلة جديدة، بقدر ما توحي بأننا نستعد لتكرار دورة سياسية اعتدناها مع نهاية كل مأمورية رئاسية، بينما يكون العالم قد قطع أشواطاً جديدة، وتبدلت موازين القوى والمصالح من حولنا.

إن الفرق بين موريتانيا سنة 2001 وموريتانيا التي تتجه إلى سنة 2029 ليس فرقاً زمنياً فحسب، بل هو فرق في طبيعة التحديات، وفي حجم الفرص، وفي موقع الدولة داخل النظام الدولي. ومن الطبيعي أن يفرض هذا التحول أسئلة جديدة، وأدوات جديدة، وعقلاً سياسياً جديداً.

لقد كان السؤال الذي شغل البلاد قبل ربع قرن هو: كيف ندير خلافاتنا السياسية؟

أما السؤال الذي ينبغي أن يشغلها اليوم فهو: كيف نبني دولة قادرة على استثمار مكانتها الجديدة في عالم يعاد تشكيله اقتصادياً وجيوسياسياً؟

والفرق بين السؤالين هو الفرق بين إدارة الواقع وصناعة المستقبل.

ومن هنا، فإن المطلوب اليوم ليس حواراً سياسياً جديداً يجري على مألوف العادة، بل حوار وطني تأسيسي، ينتقل من منطق إدارة التوازنات إلى منطق بناء الدولة.

حوار تشارك فيه النخب السياسية، والاقتصادية، والإدارية، والأكاديمية، وخبرات الموريتانيين في الداخل والخارج، ليكون حواراً حول مستقبل الدولة، لا حول حاضر السلطة فقط.

حوار يجيب عن الأسئلة التي ستحدد مصير موريتانيا لعقود قادمة: كيف نبني اقتصاداً منتجاً وقادراً على المنافسة؟ وكيف نؤسس إدارة حديثة تستجيب لسرعة التحولات الدولية؟ وكيف نجعل التعليم والتكوين ركيزة لبناء رأس المال البشري؟ وكيف نحمي مصالحنا الوطنية في بيئة دولية تزداد تعقيداً؟ وكيف نحول ثرواتنا الطبيعية إلى مصدر للقوة لا إلى سبب للتبعية؟

إن مثل هذا الحوار لا ينبغي أن ينتهي بوثيقة توافق سياسي تُطوى بعد أشهر، بل برؤية وطنية ملزمة أخلاقياً وسياسياً، تصبح مرجعاً للحكومات المتعاقبة، وتحظى بأوسع توافق ممكن، لأنها تتعلق بمستقبل الدولة، لا بمصالح مرحلة سياسية بعينها.

ولعل الفرصة التاريخية الأهم التي ما تزال متاحة أمام الرئيس غزواني هي أن يقود هذا الانتقال؛ من منطق إدارة التوازنات السياسية إلى منطق تأسيس الدولة لمرحلة ما بعد 2029.

فإذا نجح في ذلك، فلن يكون قد أنجز حواراً وطنياً جديداً فحسب، بل سيكون قد وضع الأسس التي ستتحرك في إطارها الدولة الموريتانية لعقود مقبلة، وسيُحسب له أنه نقل البلاد من إدارة اللحظة إلى بناء المستقبل.

أما إذا انتهت هذه الفرصة إلى إعادة إنتاج الحوارات التقليدية، والأدوات نفسها، والنتائج نفسها، فإن التاريخ لن يتذكرها إلا بوصفها فرصة أخرى ضاعت في لحظة كانت فيها موريتانيا تمتلك من عناصر القوة ما لم تمتلكه في أي وقت مضى.

ولعل الفارق هذه المرة أن كلفة الفشل لن تكون كما كانت في الماضي. فحين كانت موريتانيا دولة هامشية في الحسابات الدولية، كان ثمن الفرص الضائعة محدوداً. أما اليوم، وقد أصبحت ذات قيمة استراتيجية متزايدة، فإن الفشل في بناء مؤسسات قادرة على استثمار هذه المكانة قد يحول تلك القيمة نفسها إلى مصدر لضغوط خارجية، وتجاذبات داخلية، وتنافس على النفوذ، بدلاً من أن تكون رافعة للتنمية والسيادة.

إن نجاح الحوار الذي ينتظره الموريتانيون، والذي يمثل أحد أهم تعهدات البرنامج الانتخابي للرئيس، وتتويجاً لسنوات من التهدئة السياسية، لن يُقاس بعدد الأحزاب المشاركة، ولا بحجم التمثيل داخل قاعة الحوار، وإنما بقدرته على إنتاج تصور جديد للدولة، يستوعب التحول الذي عرفته موريتانيا، ويستجيب لمقتضيات المرحلة المقبلة.

فالفرص، مهما كانت عظيمة، لا تبني الدول بمجرد وجودها. وإنما تبنيها الدول التي تمتلك رؤية واضحة، ومؤسسات قوية، وإدارة كفؤة، وقيادة تدرك أن التاريخ لا يمنح الفرص الاستثنائية مرتين بالطريقة نفسها.

ومن هنا يبدأ السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا جميعاً، وهو السؤال الذي سنحاول الإجابة عنه في الحلقة القادمة:

إذا كانت موريتانيا قد أصبحت بالفعل دولة ذات قيمة استراتيجية، فما الذي يجب أن يتغير في اقتصادها، وإدارتها، ومؤسساتها، حتى تتحول هذه القيمة إلى قوة حقيقية؟ وما الخيارات التي ستبقى أمامها إذا أخفقت في استثمار هذه اللحظة التاريخية؟

الإعلامي والمحلل السياسي محمد محمود ولد بكار