كيف تنهض الأمم؟ بين رؤية أحمد ت. كورو وتجربتي الإمارات وقطر
ظل العرب في مرحلة من التاريخ يُنظر إليهم بوصفهم أمة تعاني الضعف والتخلف، الأمر الذي أفرز سؤالًا محوريًا: كيف يمكن تجاوز هذا الواقع واستعادة المكانة الحضارية؟
وقد تعددت الإجابات عن هذا السؤال. فهناك من يرى أن طريق النهضة يبدأ بالعودة إلى الجذور واستلهام التجربة الإسلامية الأولى، حين بلغت الحضارة الإسلامية أوج ازدهارها العلمي والسياسي، وامتد تأثيرها من السند والهند شرقًا إلى أوروبا غربًا، ومن آسيا إلى إفريقيا، مستندة إلى العلم والمعرفة وقوة الدولة.
في المقابل، يرى آخرون أن الزمن قد تغيّر، وأن أدوات القوة لم تعد هي ذاتها التي عرفتها الأمم في الماضي؛ فما كان يحققه السيف والفرس أصبحت تحققه اليوم الطائرات الأسرع من الصوت والدبابات الحديثة، ثم تجاوزها التطور إلى الصواريخ العابرة للقارات والطائرات المسيّرة وأنظمة الذكاء الاصطناعي التي يمكن تشغيلها بكبسة زر، مما يجعل النهضة مرهونة باستيعاب معطيات العصر لا بمجرد استحضار أدوات الماضي.
وفي هذا السياق، يقدم البروفيسور أحمد ت. كورو، في كتابه «الإسلام والسلطوية والتأخر»، تفسيرًا مختلفًا لأسباب تراجع العالم الإسلامي.
فهو لا يعزو هذا التأخر إلى الإسلام ذاته، ولا يحمّل الاستعمار وحده المسؤولية، بل يربطه بتحولات تاريخية بدأت منذ القرن الحادي عشر، حين نشأ تحالف بين العلماء والسلطة السياسية، فأضعف استقلالية العلماء وهمّش دور التجار والمثقفين، وهما الفئتان اللتان كانتا تقودان الإبداع العلمي والاقتصادي خلال العصر الذهبي للحضارة الإسلامية.
ويؤكد كورو أن ازدهار الحضارة الإسلامية آنذاك كان قائمًا على استقلال العلماء ماليًا عن الدولة، واعتماد كثير منهم على التجارة، وهو ما وفر لهم حرية التفكير والإنتاج العلمي. كما أن تلك الحضارة كانت منفتحة ومتعددة الأعراق والثقافات، شارك في بنائها المسلمون وغير المسلمين، واستفادت من منجزات الحضارات السابقة، فكانت بيئة خصبة للإبداع والابتكار.
ويرى أن التحول نحو السلطوية تعزز مع دول السلاجقة والمماليك والعثمانيين، حيث ترسخ نموذج الدولة العسكرية المتحالفة مع المؤسسة الدينية، كما أسهمت الحروب الصليبية والغزو المغولي في تقوية هذا التحالف بدافع البحث عن الأمن والاستقرار.
ويخلص كورو إلى أن نهضة العالم الإسلامي تقتضي إعادة التوازن بين الدولة والعلماء، وتمكين المثقفين والقطاع الخاص، وإحياء قيم الحرية الفكرية والتنوع والإنتاج التي صنعت العصر الذهبي، بدل الاكتفاء بتقليد النماذج الغربية أو الاكتفاء باستحضار الماضي دون استيعاب متطلبات الحاضر).
ولعل هذه الرؤية وجدت تطبيقًا عمليًا لدى قائدين عربيين برزا في العصر الحديث، هما الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، مؤسس دولة الإمارات العربية المتحدة، والشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، أمير دولة قطر الراحل، اللذان انطلقا من بيئة صحراوية بسيطة، لكنهما نجحا في نقل بلديهما خلال فترة وجيزة إلى مصاف الدول المتقدمة اقتصاديًا وعلميًا وتنمويًا.
وإذا كنا لم نعاصر تجربة الشيخ زايد عن قرب، فإننا شهدنا تجربة الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، التي تركت أثرًا واضحًا في المنطقة. وخلال زيارتي لدولة قطر عام 2011 للمشاركة في مؤتمر الدوحة الدولي لحوار الأديان، لمست عن قرب حجم التحول الذي شهدته الدولة، وكيف انتقلت من دولة خليجية صغيرة محدودة التأثير إلى لاعب إقليمي ودولي يحظى بحضور اقتصادي وسياسي وإعلامي واسع.
فقد قاد الأمير الراحل مشروعًا متكاملًا لبناء الدولة الحديثة، مستثمرًا الثروة الغازية في تأسيس اقتصاد قوي جعل قطر من أكبر مصدري الغاز الطبيعي المسال، إلى جانب إنشاء صندوق سيادي عزز حضورها في الأسواق العالمية.
ولأنه أدرك أن الإنسان هو أساس التنمية، أولى التعليم والبحث العلمي عناية خاصة، بالتوازي مع إصلاحات سياسية وإدارية شملت توسيع المشاركة الشعبية، وإلغاء وزارة الإعلام، وتطوير الإطار الدستوري للدولة.
ومن أبرز محطات مشروعه إطلاق قناة الجزيرة، بنسختيها العربية والإنجليزية، التي أحدثت تحولًا نوعيًا في الإعلام العربي، وأصبحت إحدى أهم أدوات القوة الناعمة القطرية.
أما في السياسة الخارجية، فقد انتهج سياسة نشطة جعلت قطر وسيطًا في عدد من أبرز النزاعات الدولية، من بينها اتفاق إحلال السلام في أفغانستان الموقع في الدوحة في 29 فبراير 2020، كما استضافت الدوحة عام 2026 توقيع اتفاق سلام بين حكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية وتحالف «نهر الكونغو» (حركة 23 مارس). وأسهمت هذه السياسة، إلى جانب شبكة واسعة من العلاقات الدولية، في منح قطر نفوذًا يفوق حجمها الجغرافي وعدد سكانها.
كما برز الدور القطري في القضية الفلسطينية، من خلال جهود الوساطة، والدعم الإنساني وإعادة إعمار قطاع غزة، إضافة إلى الزيارة التاريخية التي قام بها الشيخ حمد إلى القطاع، بوصفه أول قائد عربي يزوره، وهو ما ترك أثرًا بالغًا في نفوس سكانه.
وفي عام 2022م تحقق حلم بدا يومًا مستحيلًا، باستضافة قطر نهائيات كأس العالم لكرة القدم، في إنجاز جسّد رؤية استراتيجية هدفت إلى تعزيز مكانة الدولة عالميًا عبر الرياضة والثقافة والاستثمار.
ولأن استمرارية الدول تقوم على المؤسسات لا على الأشخاص، سلّم الشيخ حمد السلطة طواعية إلى نجله الشيخ تميم بن حمد آل ثاني عام 2013، في خطوة نادرة في المنطقة، عكست إيمانًا بتجديد القيادة وضمان استمرار المشروع الوطني.
لقد ترك الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، بصمة راسخة في بناء قطر الحديثة، وأسهم في إعادة رسم ملامح دورها الإقليمي والدولي، مقدمًا نموذجًا عربيًا يؤكد أن النهضة لا تتحقق بالشعارات، بل بالاستثمار في الإنسان، وبناء المؤسسات، وإطلاق الحريات، وتوظيف الثروة في خدمة التنمية والمعرفة، وهي المبادئ ذاتها التي يؤكدها أحمد ت. كورو بوصفها أساسًا لعودة العالم الإسلامي إلى موقعه الحضاري.
لمرابط ولد لخديم




