الأحد
2026/07/5
آخر تحديث
الأحد 5 يوليو 2026

الدكتور محمد ولد محمد الحسن يكتب: الجدل حول المأمورية الثالثة.. بين الانشغال بالهوامش وإغفال الأولويات الوطنية

منذ 3 دقيقة
الدكتور محمد ولد محمد الحسن يكتب: الجدل حول المأمورية (…)
طباعة

الجدل حول المامورية الثالثة :
بين الانشغال بالهوامش وإغفال الأولويات الوطنية

- الجزء الأول -

إذا كان ثمة موضوع استحوذ على النصيب الأكبر من النقاش خلال الأشهر الماضية ، فهو بلا شك، موضوع المامورية الثالثة .

أما أنا ، فقد آثرت - عن قناعة - ألا أنخرط في هذا السجال . لم يكن ذلك تهربا ولا ترددا ، وإنما اختيارا واعيا بعدم الإسهام في تغذية نقاش أراه سابقا لأوانه .

والحال ، انني كنت قد طرحت مقاربة مختلفة قبل سنوات ؛ مفادها أن رئيس الجمهورية الحالي تولّى مسؤولياته في ظروف استثنائية بكل المقاييس . فمنذ بداية مأموريته ، ظهرت جائحة كوفيد-19 ، ثم التداعيات الاقتصادية والجيوسياسية للحرب الروسية / الأوكرانية ( واقعا غير مسبوق ) ، ما أعاد ترتيب الأولويات الوطنية ، وضيّق هامش حركة الدولة ، وقيّد قدرتها على تنفيذ سياساتها العامة . وهي ظروف تاريخية استثنائية ، لا يجوز إغفالها عند أي تقييم منصف لهذه المأمورية .

أشرت حينها كذلك ، إلى خصوصية أخرى ( لعلها غير مسبوقة في تاريخنا السياسي ، وربما في تاريخ العديد من الديمقراطيات ) وهي أن الرئيس الحالي وجد في سلفه أبرز معارضيه ! . فبعد أن قدّم له دعمه الرسمي أثناء الحملة الانتخابية ، سرعان ما تحوّل - منذ الأشهر الأولى للمأمورية - إلى خصمه اللدود الأول ، في خروج واضح عن الأعراف الجمهورية ، والتقاليد الديمقراطية ، وما تقتضيه مكانة المؤسسات من تحفّظ ورصانة .

وانطلاقا من هاتين الحالتين الاستثنائيتين ، اعتبرت حينها ، أن تمديدا استثنائيا للمأمورية - لمدة سنتين - قد يكون محل نقاش مشروع ، استنادا إلى اعتبارات الإنصاف ، وسليم العقل ، والمصلحة العليا للوطن .

أما الجدل الدائر اليوم ، فهو من طبيعة مختلفة تمامًا ، لا أجد فيه ما يستحق كل هذا الاهتمام :

- أولًا ، لأنه سابق لأوانه . كما تقول الحكمة : " لكل مقام مقال ، ولكل زمان أوان " . ونحن ، ما زلنا في سنة 2026 ؛ بينما لا يزال الاستحقاق الرئاسي بعيدا . والانشغال بهذا الجدل في الوقت الراهن لا يؤدي إلا إلى صرف الأنظار عن التحديات الملحة التي يفرضها الحاضر . وقد عبّر أسلافنا عن هذه الحقيقة بقولهم البليغ : " إغتنم الساعة التي أنت فيها ؛ فالمؤمل غيب ، خاصة إذا كان بعيدا " . معنى ذلك ، أن الأولوية ينبغي أن تكون دائما للعمل والإنجاز ، لا للانشغال بتوقعات المستقبل البعيد .

- وثانيًا ، لأن هذا النقاش - في تقديري - يفتقر إلى الجدوى العملية ، بل قد تكون له آثار عكسية . فالنمو الاقتصادي ، والتنمية ، وتوفير فرص العمل ، وإصلاح التعليم ، وتحسين الخدمات الصحية ، وتحديث الدولة ، ... كلها أوراش ينبغي إنجازها اليوم ، لا انتظار سنة 2029 للشروع فيها ! .

كما أن لهذا السجال أثرا سلبيا آخر ، يتمثل في تشتيت الجهود . فالمسؤولون السياسيون ، والإدارة ، والفاعلون الاقتصاديون ، بل وحتى المواطنون ، أصبحوا منشغلين بما قد يحدث سنة 2029 ؛ بينما تتطلب أولويات سنة 2026 تعبئة كاملة وتركيزا تاما . وصح القول أن الأمم التي تنصرف عن حاضرها تفقد قدرتها على صناعة مستقبلها .

ومن جهة أخرى ، يصعب القول إن جميع أطراف هذا الجدل تحركهم المصلحة العامة وحدها . فبعض الشخصيات - بمن فيهم شخصيات قريبة من السلطة أو حتى من داخل الحكومة - تبدو مواقفهم مدفوعة بحسابات شخصية ، أو برغبة في تحسين مواقعهم السياسية ، أو بطموحات فردية ، أكثر مما تعكس رؤية هادئة لمصلحة البلاد .

وفي المقابل ، يتبنى بعض القانونيين الرافضين لفكرة الولاية الثالثة ، مقاربة - يغلب عليها الطابع الشكلي - أقرب إلى الجمود القانوني منها إلى الفقه الدستوري الحي . إذ يستندون إلى قراءة حرفية للنصوص والسوابق ، دون إيلاء ما يكفي من الاعتبار ، للتطورات التي عرفتها البلاد ، أو للظروف الاستثنائية ، أو لما تقتضيه المصلحة العليا للوطن .

ومن ثم ، فإن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن يقتصر على تأييد الولاية الثالثة أو معارضتها ، وإنما يجب أن يتمحور حول سؤال أكثر عمقا : كيف نحافظ على استقرار مؤسسات الدولة ، ونعزز دولة القانون ، ونسرّع وتيرة التنمية من دون أن نحول الحياة السياسية إلى حملة انتخابية مفتوحة ... لا تنتهي ! .

هذا هو النقاش الذي أطمح إلى الإسهام فيه ، من خلال هذه السلسلة من المقالات .

محمد بن محمد الحسن
الرئيس المؤسس لمعهد مدد راس
ولمبادرة تبري TEBRI مورتاني
5 يوليو 2027