فاي.. سونكو والرهانات الحقيقية.. ألا نخطئ في تحديد التناقض الرئيسي
لا أدري أيُّ عضلةٍ خفيةٍ في القلب — تلك التي تتحكم في المشاعر أو تستسلم لها — تحتفظ في داخلي بكل هذا الحنان القديم والعميق تجاه السنغال، تجاه هذه الأرض الشقيقة، وتجاه هذا الثنائي الذي يشكله باسيرو ديوماي فاي وعثمان سونكو
أهي الطفولة التي ما تزال تستفسر عما تراه ... في صمت ؟ .
أتذكر من تلك الحقبة ، الأيام التي كان فيها والدي يودعنا مرة كل عام متوجهاً إلى ضريح شيخه ، الشيخ التراد ولد عباس - في زيارة موسمية - ثم يعود عبر مدينة بوغي ؛ حاملا " تاسوفرا " ممتلئة بالهدايا التي كان يكرمني بها صديقه ومريده ، عبد الرحمن ساخو .
رحم الله أرواحهما المنيرة .
هل لأن مدينة كولخ ، ومقر الشيخ باي كانا يحتلان ( في قلب والدي الروحي ، وعمي الشيخ التراد عبد القادر ؛ وكذا في روح جدي ، الشيخ المعلّم في تجكجة و جامعته "الدويرة" محمد ولد الامام ولد عبد القادر ؛ كما في روح جدتنا الجليلة منت وهب منت الحضرامي ولد سيدي عبد الله ولد الحاج إبراهيم . نعم تلك المدينة السنغالية تكاد مقدسة : أرضاً للنور والمعرفة والسمو ؟ ؛
أم لأن الاقتصادي والمالي الكامن في داخلي يدرك -ببرودة ووضوح - أن السنغال بالنسبة إلى موريتانيا اكبر من ان يكون مجرد جار : إنها رئة
جيو-اقتصادية ، وشريك مصير ، ومرآة متجهة نحو المستقبل ؟ .
وربما ان هناك جزءاً أكثر حميمية وصمتاً وألماً يفسر هذا التعلق .
اذكر دوري المتواضع الذي حاولت أن أؤديه ، إلى جانب صديقي وابن عمي محمد الحافظ بلعمش ، من أجل التخفيف قليلاً من جراح وأمد ومآسي أحداث سنة 1989 المؤلمة بين شعبينا ؛ تلك الجراح التي أملاها أعداء شعوبنا وحضاراتنا .
لكن للأسف الأبرياء هم من دفعوا ثمنها .
أو ربما ببساطة ، ذلك الحلم العنيد الذي ما يزال يسكنني : أن أرى على الجسور والطرقات ومياه نهر
السنغال ـ صنهاجة- هذا القدر الهائل من الثروات البشرية ، والثقافة ، والتجارة ، والأخوّة ، والمروءة حتى تذوب يوما ندوب او جراح الماضي. وتتعايش فيما بينها الشعوب .
وربما أخيراً ، لأن في داخلي أني أتوق إلى نهضة إفريقية جديدة : نهضة تقدمية ، لكن واعية ؛ طموحة لكن عقلانية ؛ متجذرة لكن متطلعة إلى غد أفضل .
لمهم ، ليس في تعدد الاسباب ، بل
اللحظة الغريبة التي باغت فيها شعوري قلمي ، وكنت قد آثرت الصمت ، في وقت كانت فيه صفحتي على الواتساب تتعرض لقيود غير مبهمة ، عندما علمت برحيل سونكو وحكومته ! .
لا أعلم بخفايا هذه الوضعية وأجهل كل حقائقها . لذا أنحاز لاي طرف ، وسأكتفي بدعاء واحد : ان يحفظ الله وحدة السنغال واستقراره السياسي وسلمه الأهلي وازدهاره الاقتصادي ونهجه الديمقراطي .
لدي نصيحة أخوية واحدة أوجهها إلى السنغاليين ، (فاي وسونكو في مقدمتهم ) :
لا تجعلوا اختلاف الرؤى أو تباين الأساليب ، يتحول إلى تناقض مستميت ؛ لأنني ما زلت مقتنعاً بأنهما -وإن حملا وجهين وصوتين مختلفين - فهما على الأرجح ينبضان بقلب واحد كما بقية افراد الشعب السنغالي العريق . حتى كرة القدم تشهد على ذلك . ففي المدرجات كما في الشوارع ، تعرف الشعوب عن فطرة ، كيف تميّز بين ما يوحدها فتتبعه ، وبين ما يفرقها فتنبذه . إن الرهانات الحقيقية موجودة في :
– في كرامة الشعوب ؛
– في مستقبل الشباب ؛
– في السيادة "الذكية " ؛
– في العدالة الاجتماعية ؛
– في التحول الاقتصادي ؛
– في وحدة بين أمم النهر ؛
– وفوق كل ذلك ، في تلك القدرة النادرة التي تمتلكها الشعوب المجروحة ، على تحويل جراحها القديمة إلى جسور نحو الغد .
محمد ولد محمد الحسن
الرئيس المؤسس للمعهد الدولي للبحث والدراسات الاستراتيجية 2IRES
(من الصحراء الموريتانية )
في 23 مايو 2026




