الحيازة والملكية في النظام العقاري: إشكالية التسجيل والاستغلال الفعلي
يؤطر مرسوم 26 يوليو 1932 في إفريقيا الغربية الفرنسية، والمتعلق بإعادة تنظيم نظام الملكية العقارية، النواة الأولى للنظام العقاري الحديث، حيث وضع الأسس القانونية لنظام التحفيظ العقاري القائم على مركزية التسجيل. ولا تزال العديد من مقتضيات هذا النص مطبقة إلى اليوم، خاصة تلك المتعلقة بحجية التقييد في السجل العقاري، ونهائية الرسم العقاري، وعدم قابلية الحقوق العينية للاحتجاج بها في مواجهة الغير إلا بعد تسجيلها، وفقًا للمادة 2، والمادة 6، والمادة 65 وما يليها، فضلًا عن المادة 82 التي تقر مبدأ عدم اكتساب الملكية بالتقادم بالنسبة للعقارات المحفظة.
ويثير مرسوم 26 يوليو 1932، رغم دوره المحوري في إرساء نظام التحفيظ العقاري الحديث، نقاشًا فقهيًا يتعلق بخلفيته التاريخية والسياسية، باعتباره صادرًا في إطار الإدارة الاستعمارية لإفريقيا الغربية الفرنسية، وهو ما يجعل بعض الباحثين والممارسين يعتبرون أنه لا يعكس بصورة كاملة الإرادة القانونية والاجتماعية للأمة، بقدر ما كان يعبر عن توجهات الإدارة الاستعمارية الرامية إلى ضبط الملكية العقارية وتكريس آليات الرقابة القانونية والإدارية على الأرض. ويرى بعض الباحثين والممارسين أن استمرار العمل بعدد معتبر من مقتضياته، رغم التحولات الدستورية والتشريعية اللاحقة، يطرح إشكال مدى ملاءمة بعض أحكامه للواقع القانوني والاجتماعي المعاصر، خاصة في ظل تطور مفهوم الملكية وتنامي الحاجة إلى مواءمة التشريع العقاري مع الخصوصيات الوطنية ومتطلبات الحكامة الحديثة.
ويكرس هذا المرسوم نظامًا قانونيًا يجعل من التسجيل في السجلات العقارية شرطًا منشئًا للحقوق، حيث تتولى مصلحة المحافظة العقارية، بموجب المواد 1 و10 و11 و12، مسك السجلات وإعداد الرسم العقاري باعتباره الوثيقة الرسمية النهائية التي تعكس الوضعية القانونية للعقار. كما ينظم المرسوم مسطرة التحفيظ وفق مراحل دقيقة، تبدأ بطلب التحفيظ (المواد 84 إلى 90)، ثم الإشهار وفتح باب التعرضات (المواد 94 إلى 99)، فالتحديد الميداني (المواد 100 إلى 102)، وصولًا إلى التحفيظ النهائي وإنشاء الرسم العقاري (المواد 119 إلى 121). ويترتب عن هذا البناء القانوني أن التحفيظ يقطع مع جميع الوضعيات السابقة، ويمنح للعقار وضعية قانونية نهائية ومستقرة، بما يحد من دور الحيازة داخل هذا النظام، حيث لا يمكن الاحتجاج بها لاكتساب الملكية في مواجهة العقار المحفظ. وقد اعتمد هذا المرسوم في تنظيمه للتحفيظ العقاري على نظام تورنس (Système Torrens)، القائم على مركزية التسجيل والرسم العقاري النهائي باعتباره المرجع الوحيد لإثبات الحقوق العينية، وهو نظام يهدف إلى تحقيق الاستقرار والعلنية وحماية المعاملات العقارية.
ويشكل صدور الأمر القانوني رقم 83-127 تحولًا في المقاربة العقارية، إذ اتجه المشرع إلى ربط الملكية بالاستغلال الفعلي للأرض، من خلال تبني تصور أكثر ارتباطًا بالواقع الاجتماعي. وتنص المادة الأولى من هذا الأمر على أن الأرض ملك للأمة، مع الاعتراف بالملكية الخاصة في المادة 2، كما تمنح المواد 3 و4 للحيازة دورًا في إثبات الحقوق أو دعمها، وتقر المادة 5 بإمكانية استرجاع الأراضي غير المستغلة لفائدة الدولة، في حين تكرس المادة 6 حماية الحائز حسن النية، وتنظم المادة 7 نزع الملكية للمصلحة العامة مقابل تعويض.
ويثير هذا النص، رغم طابعه الإصلاحي، نقاشًا فقهيًا واسعًا، لكونه صدر في سياق استثنائي عن لجنة عسكرية، دون المرور عبر مؤسسة تشريعية منتخبة، وهو ما أثر في مستوى قبوله داخل بعض الأوساط الاجتماعية والفقهية. وقد تعزز هذا الجدل بشكل خاص بالنظر إلى بعض مقتضياته التي اتجهت نحو إلغاء أنماط الملكية الجماعية التقليدية.
ويستند هذا التوجه أيضًا إلى المرجعية التي اعتمدها الأمر القانوني رقم 127/83، إذ ينص على الرجوع إلى أحكام الشريعة الإسلامية في كل ما لم يرد بشأنه نص خاص في هذا القانون، وهو ربط للمنظومة القانونية بالمصادر الشرعية والاجتماعية المحلية، في مقابل الطابع ذي الخلفية الاستعمارية الذي ميز بعض النصوص العقارية السابقة، وعلى رأسها مرسوم 26 يوليو 1932. غير أن التطبيق العملي يكشف أن القضاء لا يزال يعود في العديد من أحكامه إلى مقتضيات هذا المرسوم، باعتباره الإطار الأكثر تفصيلًا وتنظيمًا لمساطر التحفيظ والتسجيل العقاري، وهو ما يعكس استمرار تأثيره داخل المنظومة العقارية رغم التحولات التشريعية اللاحقة.
ويعزز المرسوم رقم 080/2010 المقاربة العملية المرتبطة بالحيازة الفعلية، من خلال إدماجها ضمن مساطر البحث والتحقيق العقاري، حيث تنظم المواد 2 و3 و4 إجراءات المعاينة الميدانية وسماع الشهود والتحقق من الاستغلال، بينما تنص المواد 5 و6 على نشر المسطرة وفتح باب التعرضات. غير أن المشرع يضع حدودًا واضحة لهذه المقاربة، إذ إن النتائج المستخلصة من هذه المساطر «لا تحصن الملكية ويجيز الطعن فيها اعتمادًا على المادة 10 من المرسوم 080/2010»، وهو ما يؤكد الطابع غير النهائي لهذه الآليات مقارنة بنظام التحفيظ.
وتستعمل الإدارة، في هذا الإطار، وثائق مثل رخصة شغل العقار (Permis d’occuper) لإثبات الحيازة الفعلية، غير أن هذه الوثائق لا تنشئ حقوقًا عينية، بل تظل مجرد قرائن إدارية يمكن الطعن فيها، ولا ترقى إلى مستوى الرسم العقاري الذي يظل السند القانوني الوحيد للملكية في العقارات المحفظة.
وتنظم مدونة الحقوق العينية العلاقة بين الحيازة والملكية بشكل دقيق، حيث تعرف الحيازة وفق المواد 239 إلى 263 باعتبارها سيطرة فعلية على حق عيني بنية التملك، تقوم على عنصر مادي يتمثل في وضع اليد وعنصر معنوي يتمثل في نية التملك. كما تعرف الملكية في المادة 9 باعتبارها حقًا عينيًا أصليًا يخول سلطات الاستعمال والاستغلال والتصرف، وهو ما تؤكده المواد 14 و15 و16.
ويترتب عن هذا التنظيم أن الحيازة قد تشكل وسيلة لاكتساب الملكية في العقارات غير المحفظة، خاصة في إطار التقادم المكسب المنصوص عليه في المواد 240 إلى 247، شريطة توافر شروط العلنية والاستمرار والهدوء، غير أنها تظل غير كافية بذاتها في نظام التحفيظ العقاري.
ويكشف هذا التداخل بين النصوص القانونية عن ازدواجية في منطق التنظيم العقاري، تجمع بين مقاربة قانونية صارمة ترتكز على التسجيل، ومقاربة واقعية تعطي أهمية للاستغلال الفعلي، وهو ما يطرح إشكالية التوازن بين الأمن القانوني والعدالة الاجتماعية.
وتفرض هذه الوضعية ضرورة تطوير المنظومة العقارية من خلال جملة من التدابير، في مقدمتها تحيين مرسوم 26 يوليو 1932 بما ينسجم مع التطورات التشريعية الحديثة، مع الحفاظ على مبادئ الأمن العقاري، وتوحيد النصوص القانونية المؤطرة للعقار لتفادي التداخل والتعارض، وتعزيز رقمنة المعاملات العقارية وإنشاء قاعدة بيانات موحدة وموثوقة.
ويقتضي تطوير النظام العقاري أيضًا إقرار آليات قانونية دقيقة تمنح للحيازة قيمة تنظيمية دون المساس بحجية الرسم العقاري.
وبناءً على ما سبق، يتضح أن النظام العقاري يتجه نحو البحث عن توازن بين استقرار المعاملات الذي يضمنه نظام التحفيظ، وبين الاعتراف بالواقع الاجتماعي الذي تعكسه الحيازة، غير أن تحقيق هذا التوازن يظل رهينًا بإصلاح تشريعي شامل يعيد الانسجام إلى المنظومة العقارية ويعزز فعاليتها.
سيد المختار كواد
باحث بمجالات العقار والتعمير والبيئة
[email protected]



