الخميس
2026/04/9
آخر تحديث
الخميس 9 أبريل 2026

موريتانيا بين الجزائر والمغرب: زيارة رئيس وزرائها إلى الجزائر تتزامن مع استقبال الغزواني لوفد عسكري مغربي عالي المستوى

منذ 1 ساعة
موريتانيا بين الجزائر والمغرب: زيارة رئيس وزرائها إلى (…)
طباعة

لم يفوت مراقبو الشأن المغاربي، التوقف أمام تزامن زيارة الوزير الأول الموريتاني للجزائر مع زيارة المفتش العام للقوات المسلحة المغربية الفريق أول محمد بريظ لنواكشوط ومقابلته السريعة للرئيس ولد الشيخ الغزواني، حيث طرحوا الأسئلة ونشروا التحليلات.
كما أدرج متابعو هذا الملف تزامن الحدثين ضمن صراع النفوذ الإقليمي وسياسة التوازن الوطني في قلب الساحل والصحراء في سياق إقليمي بالغ التعقيد، تتقاطع فيه رهانات الأمن والطاقة والنفوذ.
وقد عادت موريتانيا، وفقا لتحليلات خبراء محليين، لتحتل موقعاً محورياً في معادلات المغرب العربي والساحل، مع تصاعد لافت في وتيرة الحراك الدبلوماسي والعسكري على خطي الجزائر والمغرب.
ولم يعد هذا الحراك مجرد زيارات بروتوكولية متفرقة، بل بات يعكس ديناميات أعمق مرتبطة بإعادة تشكيل النفوذ في المنطقة، حيث تتحول نواكشوط تدريجياً إلى نقطة جذب استراتيجي للطرفين.
وقد تجسّد هذا المشهد بوضوح في التزامن اللافت بين زيارة الوزير الأول المختار ولد اجاي إلى الجزائر، واستقبال الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني في نواكشوط المفتش العام للقوات المسلحة الملكية المغربية الفريق أول محمد بريظ.
ويطرح هذا التزامن أكثر من علامة استفهام حول دلالاته: هل هو نتاج تخطيط موريتاني واعٍ لإدارة التوازن بين شريكين متنافسين، أم أنه انعكاس مباشر لتسابق إقليمي محموم لاقتناص النفوذ في لحظة موريتانية حساسة؟
ونشر الجيش الموريتاني في خطوة تظهر الحفاوة الكاملة، صور ونشاطات الوفد العسكري المغربي بدءا بجلسة العمل بقيادة الأركان ومرورا باستقبال الرئيس الغزواني للوفد وانتهاء باجتماع عمل مع وزير الدفاع الموريتاني.
وفي الجزائر، لم تكن زيارة الوزير الأول الموريتاني زيارة عادية؛ فقد اشتمل وفده على ثمانية وزراء وعلى رئيس اتحاد أرباب العمل الموريتانيين وعدد كبير من الخبراء، كما أنها لم تكن مجرد محطة تقنية ضمن أعمال اللجنة العليا المشتركة، بل حملت أبعاداً سياسية واقتصادية تتجاوز الطابع الروتيني.
وسلّم الوزير الأول المختار ولد أجاي، رسالة من الرئيس الموريتاني إلى نظيره الجزائري عبد المجيد تبون، تضمنت تأكيداً على عمق العلاقات الثنائية وضرورة الدفع بها نحو آفاق أوسع، خاصة في ظل التحديات الراهنة.
وتركزت المباحثات على تفعيل مخرجات الدورة العشرين للجنة المشتركة، مع التأكيد على تسريع تنفيذ الاتفاقيات، لا سيما في مجالات الطاقة والبنية التحتية والتبادل التجاري.
مقاربة مختلفة للمغرب
وفي مقابل هذا الثقل السياسي والاقتصادي الجزائري، يتحرك المغرب وفق مقاربة مختلفة، ترتكز على تعزيز التعاون العسكري والأمني، وهو ما تعكسه زيارة الفريق أول محمد بريظ. فقد شملت الزيارة مباحثات معمقة مع قيادة الأركان العامة للجيوش الموريتانية، تم خلالها تقييم حصيلة التعاون العسكري خلال الفترة الماضية، وبحث سبل تطويره في مجالات التدريب والتنسيق العملياتي.
غير أن القراءة السياسية الأعمق تكشف أن الزيارة تأتي في ظرف اقتصادي دقيق، حيث تواجه موريتانيا ضغوطاً متزايدة بفعل ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً، ومحدودية المخزون المحلي من المحروقات، وهو ما يجعل من ملف تأمين الإمدادات أولوية قصوى.
وفي هذا السياق، تبدو الجزائر بما تمتلكه من قدرات طاقية وخبرة طويلة عبر شركة سوناطراك، شريكاً حاسماً يمكنه لعب دور «صمام الأمان» للاقتصاد الموريتاني.
هذا البعد لم يغب عن الخطاب الإعلامي والسياسي الداخلي، حيث استعاد المحلل السياسي المدير العام المدير الناشر لمؤسسة «العلم» محمد محمود بكار في مقال تحليلي لافت، عمق العلاقات التاريخية بين البلدين، مؤكداً أن ما يجمع موريتانيا والجزائر يتجاوز منطق المصالح الظرفية إلى روابط أخوة راسخة.
واستحضر الكاتب دعم الموريتانيين لثورة التحرير الجزائرية، كما ذكّر بالموقف الجريء للرئيس المؤسس المختار ولد داداه حين دافع عن استقلال الجزائر من على منبر الأمم المتحدة، في خطوة أثارت غضب الرئيس الفرنسي آنذاك شارل ديغول.
وامتد هذا السرد التاريخي ليشمل محطات مفصلية في دعم الجزائر لموريتانيا، من مرافقتها في قرارات السيادة الاقتصادية كالتأميم وإصدار العملة الوطنية، إلى مساهمتها في بناء قدرات البلاد في مجالات الطاقة والتكرير.
مواقف أخوية
ومن هذا المنطلق، يرى بكار أن موريتانيا لا تتوجه إلى الجزائر اليوم كطرف يبحث عن اتفاقات تقليدية، بل كبلد يستدعي «مواقف أخوية معهودة» في لحظات الشدة، خاصة في ما يتعلق بتأمين إمدادات المازوت والغاز بأسعار تفضيلية تضمن استقرار السوق المحلية.
وفي السياق ذاته، أعادت عدة مواقع إخبارية موريتانية نشر مقال تحليلي للكاتب والخبير الاستراتيجي في قضايا الساحل والصحراء محمد سالم اليعقوبي، تحت عنوان «موريتانيا: الجزائر هي الخيار أو لا خيار»، سلط فيه الضوء على عمق العلاقات التاريخية بين البلدين منذ الاستقلال.
وأشار المقال إلى محطات مفصلية عززت هذه العلاقة، من بينها ما نُقل عن الرئيس الموريتاني الأسبق المختار ولد داداه، بشأن الدعم الجزائري في مجالات التكوين الإداري والعسكري والمالي خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي.
كما استعاد المقال دور الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين في دعم انضمام موريتانيا إلى جامعة الدول العربية خلال قمة الجزائر عام 1973، فضلاً عن المواقف الجزائرية الداعمة لاستقرار موريتانيا في أوقات حساسة على الصعيد الإقليمي.
وتناول المقال المشاريع الحديثة للتعاون بين البلدين، أبرزها افتتاح المعبر الحدودي بين موريتانيا والجزائر، وهو المشروع الذي يعكس وفق المراقبين رغبة مشتركة في رفع مستوى التكامل الاقتصادي وتسهيل حركة الأشخاص والبضائع، بما قد يسهم في تنشيط التجارة البينية وربط الأسواق المحلية بالإقليمية.
كما تطرق المقال إلى قضية الصحراء الغربية، مؤكداً أن الموقف الجزائري الداعم لحق الشعب الصحراوي في تقرير المصير ما زال يشكّل عاملاً مهماً في النقاش الإقليمي، ويظل محل تباين داخل الساحة المغاربية، خاصة في مواجهة المواقف المغربية.
وفي تحليل أوسع، أبرز الكاتب أن الجدل الحالي يتركز حول سؤال أساسي: هل يمثل تعميق الشراكة مع الجزائر خياراً استراتيجياً حصرياً لموريتانيا، أم جزءاً من سياسة توازن أوسع تعتمدها نواكشوط في محيط إقليمي معقد؟ بعض الأطراف ترى الجزائر شريكاً موثوقاً بلا أطماع، في حين يدعو آخرون إلى الحفاظ على تنويع العلاقات الإقليمية لتجنب أي اعتماد أحادي.
في انتظار ما ستسفر عنه المرحلة المقبلة، يبقى الثابت أن موريتانيا والجزائر تتحركان نحو تعزيز قنوات التعاون، وسط متابعة دقيقة من الرأي العام والنخب السياسية والإعلامية في المنطقة.
كما يبقى التزامن بين زيارة الوزير الأول إلى الجزائر واستقبال الوفد العسكري المغربي علامة بارزة على الدور المحوري الذي تلعبه موريتانيا في المعادلات الإقليمية، حيث تتحرك بين ملفات الطاقة والأمن والدبلوماسية.
وفي ظل هذه المرحلة الحساسة، تواصل نواكشوط انتهاج سياسة التوازن الذكي، محققة من خلالها أقصى استفادة ممكنة من شراكاتها مع الجارين الإقليميين، وفي الوقت ذاته تحافظ على استقلالية قرارها الوطني، وسط متابعة دقيقة من الرأي العام والنخب السياسية في المنطقة.

عبد الله مولود
القدس العربي