الدروس التي يجب أن تأخذها موريتانيا من الحرب على إيران
– ميزان الربح والخسارة الاستراتيجي
أزمة الأربعين يوماً هي مدة العدوان الأمريكي–الإسرائيلي على إيران، وهي مدة قصيرة خسر فيها الاقتصاد العالمي تريليون دولار، مع تراجع في النمو بنحو 2 إلى 3%. وقد قفز النفط بنسبة 150% خلال الأسبوع الثالث من الحرب، حيث انتقل سعر الخام من 65 دولاراً إلى 167 دولاراً للبرميل، وهو أسرع ارتفاع في تاريخ الطاقة عالمياً، متجاوزاً توقعات البنك الدولي، الذي قدّر أنه في حال نشوب صراع مباشر في الخليج ستتراوح أسعار النفط بين 140 و157 دولاراً للبرميل.
ويُعزى هذا الارتفاع إلى فقدان الثقة في القواعد الأمريكية التي كانت توحي بضمان أمني للمنطقة، مما يخفف من تكاليف التأمين والمخاطر، إضافة إلى إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره 20% من نفط العالم، وهو ما كبّد الاقتصاد العالمي خسائر جسيمة.
أما الدول التي تقع في دائرة الحرب، فقد تكبدت خلال الأيام الستة عشر الأولى إنفاقاً بلغ 26 مليار دولار، نتيجة إطلاق دول الخليج والولايات المتحدة وإسرائيل نحو 11200 صاروخ باتريوت، بكلفة تتراوح بين 3 و4 ملايين دولار للصاروخ الواحد، لاعتراض مسيّرات انتحارية أو صواريخ بدائية تتراوح كلفتها بين 20,000 و50,000 دولار.
لقد كان الخاسر الأول في هذه الحرب دول الخليج، الذين أُدمجوا بحكم الأمر الواقع في وضعية الدفاع عن أنفسهم في حرب ليست حربهم. فقد كانت الكلفة باهظة على عدة مستويات لكن ربحوا بأن أضحت فكرة أن الأمن يبنى ولايستورد جلية .
كان الخاسر الكبير الثاني الولايات المتحدة، التي فقدت جزءاً من شرعية الريادة العالمية بدخولها في حرب مدانة وبلا شرعية واضحة، وجرّت العالم إلى أزمة مكلفة بلا أهداف .
وكان الخاسر الأكبر هو إسرائيل، إذ سقطت العديد من شعارات القوة، مثل “القبة الحديدية” وادعاء “الأكثر أماناً في العالم” و”الأكثر تسليحاً”، وتضررت صورة الردع لديها، كما تأثرت الثقة في بعض مرتكزاتها الرمزية مثل “أرض الميعاد” و”ملاذ اليهود الآمن”، حتى بدا ذلك وكأنه يتلاشى لقد انهدمت ثقة اليهود في دولتهم .
كما خسرت أوروبا مركزها فلم تضمن لنفسها موقعاً في مناطق الطاقة العالمية، كما لم يكن لها موقف واضح وإيجابي في هذه الحرب تخلق به حلفاء استراتيجيين ، وهي اليوم من أكبر المتضررين، في ظل عالم يتجه نحو الاستقطاب بين الصين والولايات المتحدة، خاصة في مجال الطاقة.
بينما كان الرابح الأول هو الصين والثاني هو إيران فقد جرّبت الصين قوتها العسكرية وفاعلية أسلحتها وتقنيتها العسكرية ، واحتكّت مباشرة بالتكنولوجيا الحربية الأمريكية. كما ربحت من حيث استمرار عجلة التقدم لديها، في حين تباطأت لدى أغلب الأقطاب الكبرى ، رغم أن نصف ما تستخدمه من النفط وثلث ما تستخدمه من الغاز يمر عبر مضيق هرمز، لكن الصين عالجت هذه المعضلة منذ عام 2003، عندما طرح الرئيس الصيني هو جينتاو ما عُرف بـ”معضلة مضيق ملقا”، حيث تصور سيناريو إغلاق المضيق، ومن ثم عملت على تنويع مسارات الطاقة وتقليل الاعتماد على النفط كمصدر رئيسي.
أما إيران، فقد وطدت مركزها العالمي سياسياً وعسكرياً؛ فهي اليوم تُصنّف قوة عسكرية كبيرة وتكنولوجية مهمة، ودولة ذات نظام سياسي فريد وتماسك داخلي حيث فشلت مخططات التفجير من الداخل الذي دعمته آمريكا ووزعت لأجله السلاح والمال كما راكمت تجربة في حروب متقدمة .
كما تعد روسيا رابحاً أساسياً؛ إذ سقطت فكرة وقوف الغرب الكامل وراء أوكرانيا، وأظهرت موقفها الصريح مع حليفتها إلى درجة يمكن التعويل عليها، وهو ما لم تفعله أوروبا ، وحافظت على تفوق حليفتها ،كما قفزت أرباحها من النفط بنسبة 50% خلال شهر مارس من 12مليار دولار إلى 24مليار دولار .
2. موريتانيا: درس الجغرافيا والتبعية الاقتصادية
نشبت هذه الحرب على بُعد عشرة آلاف ميل من موريتانيا، وفي منطقة تفصلنا عنها قارات، فلماذا نتأثر بها؟
الجواب أن سلاسل الإمدادات العالمية، من السلع والطاقة والنقل والتأمين، تخضع لنظام عالمي مترابط. وهكذا تأثرت حتى البلدان المتقدمة التي لا تملك سيادة طاقية كاملة، فارتفعت أسعار المحروقات لديها؛ ففي اليوم السابع والثلاثين، كانت نحو 900 محطة بنزين في فرنسا فارغة، مع نقص في بعض أنواع الوقود.
إن موريتانيا، بخلاف تلك البلدان، لا تملك طاقة نووية مثل فرنسا، وتستورد معظم احتياجاتها من المواد المصنعة والغذائية والمحروقات. وبالتالي فإن أي اهتزاز في “مضيق هرمز” أو “باب المندب” يرفع تكلفة التأمين البحري بنسبة قد تصل إلى 300%، وهو ما ينعكس فوراً على أسعار السلع في الأسواق المحلية، مثل “سوق شارع الرزق”.
إن موريتانيا، إذا لم تغيّر هذا النهج القائم على تصورات قديمة وتفكير لم يعد قادراً على مواجهة التحديات، ستبقى لفترة طويلة “دولة تمتص الصدمات” بدل أن تصبح “دولة محصّنة”، وستظل رهينة لسياسات الطوارئ وارتفاع كلفة المعيشة مع كل أزمة دولية.
فالبلد بحاجة إلى تفكير استراتيجي يقوم على أربع قواعد أساسية:
• السيادة الطاقوية:
لا يعقل أن تكون موريتانيا على أعتاب تصدير الغاز (مشروع آحميم) ولا تملك استراتيجية لتحويل جزء منه إلى استهلاك منزلي وصناعي منخفض التكلفة. إن التذرع بصعوبة ذلك يعكس ضعفاً في الاستشراف لدى مسيري القطاعات الاستراتيجية.
الأهداف الكبرى تقتضي أن تتمكن البلاد، خلال عشرين سنة، من استغلال جميع مواردها بما يضمن السيادة الغذائية والطاقوية والاقتصادية والعسكرية.
إن الفراغ في استغلال موارد مثل الهيدروجين الأخضر، والأراضي الزراعية لسد العجز في القمح والزيوت والحبوب والخضروات (المستوردة بنسبة تقارب 70%)، وكذلك الألبان، يعكس غياب فكر بناء القوة، ويعرّض البلد لمخاطر التبعية.
• نقل التكنولوجيا:
يجب أن تقوم المقاربة العامة للاتفاقيات والشركات على الاكتفاء الذاتي، عبر تضمين “نقل التكنولوجيا” كمبدأ صارم في جميع العقود داخل موريتانيا.
ينبغي أن تتضمن جميع نشاطات التعدين (اسنيم، كينروس، تازيازت) بنوداً تُلزم الشركات بإنشاء مراكز تدريب تقني متقدم، حتى لا نظل مجرد “مصدّرين للمواد الخام”، بل نصبح “مالكين لسر المهنة”، خاصة وأن موريتانيا تزخر بمئات المؤشرات المعدنية.
• المخزون الاستراتيجي الفوري:
إن موريتانيا لاتملك اليوم أي مخزون استراتيجي وهكذا يتعين عليها ضرورة بناء صوامع غلال وخزانات وقود تكفي البلاد لمدة ستة أشهر على الأقل، بدلاً من نظام “التوريد الفوري” الذي يجعل البلاد رهينة لأي اضطراب في سلاسل الإمداد.
لقد تصرفت الدولة وفق إمكانياتها خلال أزمات سابقة مثل جائحة كورونا، لكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة : ماذا طوّرنا منذ ذلك الحين في استغلال مواردنا أو تقليل الاعتماد على الاستيراد؟ الخلل لا يكمن فقط في إدارة الأزمات، بل في غياب تصور استراتيجي لبناء الاكتفاء الذاتي.
إن حسن تسيير الدولة يعني وضع خطط واضحة لاستغلال الموارد الوطنية بكفاءة، بحيث تدعم الاتفاقيات الاستخراجية امتلاك موريتانيا لاحتياجاتها، إلى جانب اكتساب الخبرة والتكنولوجيا في مجالات الطاقة والصيد والزراعة وغيرها، لأن نقل المعرفة هو أساس التنمية.
الحاجة للتغير في التفكير الاستراتيجي
إن هذا النمط من التسيير القائم على الاستنفار فقط وتحمل المواطن بصفة مباشرة تبعات كل أزمة عالمية لا يكفي لجعل البلد قادراً على امتصاص الأزمات، خاصة إذا كانت طويلة الأمد.
لقد انتفض زعماء العالم ضد هذه الوضعية، وبدأوا يبحثون عن حلول، خاصة في مجال الطاقة. وقد بدا الرئيس الفرنسي وكأنه في حالة ارتباك، يبحث اليوم عن الجهة التي يمكن أن يعتمد عليها في هذا المجال!.
إن موريتانيا بحاجة إلى تفكير استراتيجي من طراز تفكير هو جينتاو، يقوم على استشراف الأزمات قبل وقوعها، ووضع تصورات واضحة لتجاوزها.
وعكسا لذلك لا يمكن لأي رئيس، مهما تبنّى من إصلاحات، أن يُحدث التغيير الجوهري المطلوب ما لم يتم تبني رؤية استراتيجية عميقة قادرة على بناء القوة وتحقيق التحديث.
إننا مستعدون للكفر بالديمقراطية مقابل زعيم يقودنا بتفكير استراتيجي نتجاوز به مرحلة الاستجداء والضعف وعدم اليقين بالمستقبل ، وإلا فستبقى المأموريات والحديث عنها زيادةً ونقصاناً ضربا من هدر مقدرات ووقت وأحلام هذا الشعب .
إن على الحوار الذي نتحشّد له أن يأتي بتفكير وحلول استراتيجية توافقية لمستقبل موريتانيا قوية خلال عشرين سنة قادمة أو على الأقل بحاجة فقط ل 40٪من احتياجاتها وإطار قانوني يحمي تلك الاستراتيجية وبعدها يمكن الاطمئنان على مستقبل البلد .
الإعلامي والمحلل السياسي محمد محمود ولد بكار




