الرئيس غزواني وتحديات المرحلة
منذ توليه الحكم سنة 2019 في سياق خاص، وجد الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني نفسه في لحظة انتقالية دقيقة في تاريخ موريتانيا، حيث تداخلت رهانات الاستقرار السياسي مع تحديات اقتصادية واجتماعية عميقة، فرضت عليه التعامل مع ما يمكن وصفه بـ"إكراهات المرحلة".
وقد ظهر جليا أن الرجل يشتغل ضمن معادلة دقيقة: تجنب الهزات السياسية التي عرفتها البلاد في مراحل سابقة، مقابل الدفع التدريجي نحو إصلاحات اقتصادية واجتماعية.
هذه المقاربة “التدرجية” لم تكن خيارًا سياسيًا فحسب، بل كانت استجابة موضوعية لما يمكن تسميته بتوازنات الدولة العميقة، وحدود القدرة على التغيير في بيئة تتسم بهشاشة الموارد وتعقيد البنية الاجتماعية.
اقتصاديًا، جاءت جائحة كوفيد-19 لتضاعف من حدة التحديات، حيث تأثرت المداخيل العمومية، وارتفعت كلفة التدخل الاجتماعي، ما فرض على الدولة توجيه جزء كبير من مواردها نحو الدعم المباشر للفئات الهشة.
ورغم الجهود المبذولة، ظل الاقتصاد الوطني رهين تقلبات الأسواق العالمية، خاصة في ما يتعلق بالمواد الأولية، وهو ما يحدّ من هامش المناورة أمام صانع القرار.
اجتماعيًا، تبرز ملفات مزمنة مثل البطالة، والهشاشة، والفوارق بين الفئات والمناطق، وهي قضايا لا يمكن معالجتها بقرارات ظرفية، بل تتطلب سياسات عمومية طويلة النفس، تُوازن بين العدالة الاجتماعية والاستقرار، خصوصًا في مجتمع متعدد الأعراق والحساسيات.
سياسيًا، سعى الرجل إلى تخفيف منسوب التوتر عبر خطاب تصالحي، وفتح قنوات للحوار مع المعارضة، في محاولة لإعادة بناء الثقة بين مختلف الفاعلين.
غير أن هذا المسار، رغم أهميته، يظل هشًا ما لم يُترجم إلى ضمانات مؤسسية وإصلاحات ملموسة تعزز الشفافية وتكافؤ الفرص.
أمنيًا، تبقى موريتانيا في موقع حساس ضمن محيط إقليمي يتسم بعدم الاستقرار، خاصة في دول الجوار ضمن الساحل، حيث تنشط الجماعات المسلحة وتتصاعد التحديات الأمنية.
وقد نجحت البلاد نسبيًا في تحصين جبهتها الداخلية، لكن ذلك يظل مرتبطًا باستمرار اليقظة الأمنية وتكاملها مع مقاربات تنموية تعالج جذور الهشاشة.
هذه المعطيات تجعل الحوار المرتقب، أمام رهانات حقيقية ينبغي أن تتجاوز الطابع الشكلي، ليرتكز على محاور استراتيجية واضحة، من أبرزها:
تعزيز الاستقرار الوطني: عبر ترسيخ دولة المواطنة، وإدارة التنوع العرقي والثقافي ضمن إطار جامع يضمن العدالة والمساواة.
الإصلاح الاقتصادي: من خلال وضع سياسات تنموية مستدامة، تخلق فرص عمل، وتحدّ من الفوارق الاجتماعية والمجالية.
محاربة الفساد: باعتبارها مدخلًا أساسيًا لاستعادة الثقة بين الدولة والمجتمع، وتحسين فعالية الإنفاق العمومي.
إصلاح المنظومة السياسية: بما يعزز التعددية، ويضمن نزاهة العمليات الانتخابية، ويكرّس التداول السلمي على السلطة.
تحديث الإدارة: عبر تحسين الحوكمة، وتبسيط الإجراءات، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وفي النهاية، يمكن القول إن نجاح محمد ولد الشيخ الغزواني سيظل مرهونًا بقدرته على تحويل “إدارة التوازنات” إلى “صناعة تحولات”، أي الانتقال من مجرد الحفاظ على الاستقرار إلى توظيفه كرافعة لإصلاحات عميقة ومدروسة.
كامل الود
سيدي محمد المعروف باكس ول اكريك




