الجمعة
2026/02/20
آخر تحديث
الجمعة 20 فبراير 2026

الملاحدة الجدد وأزمة المرجعية: من صراع الحضارات إلى سؤال الأخلاق!!

منذ 6 ساعة
الملاحدة الجدد وأزمة المرجعية: من صراع الحضارات إلى سؤال (…)
لمرابط ولد لخديم
طباعة

قبل عقد من الزمن كتبتُ هذه السلسلة، واليوم تعود بعض الوقائع لتجدد الأسئلة ذاتها. فالقضية المرتبطة بـ جيفري إبستين لم تكن مجرد فضيحة أخلاقية، بل أعادت إلى السطح سؤالًا فلسفيًا أعمق، خاصة بعد تداول أسماء مفكرين عُرفوا بمواقف نقدية من الدين مثل ريتشارد دوكنز، لورنس كراوس، ستيفن بنكر، وستيفن هوكنغ.
ومع ضرورة التفريق الصارم بين الذكر الإعلامي والإدانة القضائية، يبقى السؤال أعمق من الأسماء:
هل تكفي المنظومة المادية وحدها لضبط الإنسان حين يمتلك السلطة والمعرفة والمال؟
الخلاف الحقيقي ليس في وجود الأخلاق، بل في مصدر إلزامها.
الرؤية الدينية ترى أن القيم تستمد ثباتها من مرجعية متجاوزة: الله، الآخرة، الحساب.
أما الرؤية المادية فتميل إلى تفسير الأخلاق بوصفها نتاج تطور اجتماعي أو تعاقدًا عقلانيًا لحفظ المنفعة.
لكن إذا كانت الأخلاق صناعة بشرية خالصة، فبأي معيار تُدان انحرافات الأقوياء؟
وإن كانت نسبية، فكيف تُمنح صفة الإلزام المطلق؟
التصور الإسلامي يربط بين الحرية والمسؤولية، وبين القوة والجزاء، فالأخلاق ليست مجرد تنظيم اجتماعي، بل امتداد للإيمان بالمعاد. وهنا يصبح الدين إطارًا جامعًا يربط:
العلم بالمعنى، والقوة بالمسؤولية، والدنيا بالآخرة.
الإشكال إذن ليس في العلم ذاته، ولا في صلاح أو فساد المجتمعات المتدينة، بل في سؤال أعمق:
هل يستطيع الإنسان أن يكون هو المشرّع النهائي للقيم دون مرجعية أعلى؟
وقبل نقد أطروحات “الإلحاد الجديد”، ينبغي تصحيح خطأ شائع في الخطاب الثقافي: وضع “الغرب” في مقابل “الإسلام”.
وقد نبّه إلى هذا الخلل المفاهيمي المفكر المغربي محمد عابد الجابري حين تساءل عن سبب طرح الحوار غالبًا تحت عنوان “الإسلام وحوار الحضارات”، لا “الحضارة الإسلامية وحوار الحضارات”. فالغرب مفهوم حضاري جغرافي، بينما الإسلام دين؛ والمقارنة الأدق تكون بين حضارتين لا بين دين وجغرافيا.
تاريخيًا، لم تكن الحضارة الإسلامية مجرد ناقل للتراث اليوناني والفارسي، بل كانت فضاءً حواريًا أعاد إنتاج المعرفة داخل إطار قيمي يربط العلم بالأخلاق. ولم يكن أساسها التفوق المادي وحده، بل مرجعية فكرية تضبط القوة بالمعنى.
وفي سياق قراءة التحول الحداثي، يشير المفكر المغربي الطيب بوعزة في حديثه عن “قلب معنى الإنسان” إلى انتقال التصور الغربي من الإنسان بوصفه كائنًا عاقلًا (Homo Sapiens) إلى الإنسان بوصفه كائنًا اقتصاديًا (Homo Economicus). تحولٌ لم يعد اقتصاديًا فحسب، بل فلسفيًا يمس تعريف الإنسان ذاته.
وهنا يتجدد السؤال:
حين يُختزل الإنسان في الإنتاج والاستهلاك والمنفعة، فمن أين يستمد معيار الخير والشر؟
يتواصل…

لمرابط ولد لخديم