تندوجة… من محظرة للعلم إلى مؤتمر وطني للمقاومة
أعاد إعلان جوائز شنقيط لسنة 2025 تسليط الضوء على محطاتٍ مفصلية في الذاكرة الثقافية والوطنية، ولا سيما من خلال العمل الفائز بجائزة الآداب والفنون للدكتور موسى ولد أبنو، الموسوم بـ «تغريبة العرب»، الذي استحضر فيه شخصية الشيخ سيديا الكبير بوصفه رمزًا جامعًا للمقاومة العسكرية والثقافية، وفاعلًا محوريًا في تاريخ البلاد.
وفي سياق هذا الاهتمام المتجدد، ناقشنا مع الأستاذ الدكتور اسلكو ولد أزيدبيه، رئيس مجلس جائزة شنقيط في السنة الماضية، أهمية فتح الجائزة أمام الأعمال التي تتناول القامات العلمية والتاريخية الكبرى التي أسهمت في بناء الوطن وصيانة هويته عبر العصور، مثل الشيخ سيديا الكبير، والشيخ سيدي المختار الكنتي، والشيخ محمد المامي، والشيخ ماء العينين، وغيرهم من أعلام العلم والمقاومة.
ومن هذا المنطلق، كنتُ قد نشرتُ سابقًا تدوينة بعنوان «رمضان تندوجة»، تناولتُ فيها البعد الوجداني والروحي لمحظرة تندوجة العريقة، حيث تتحول القرية خلال شهر رمضان إلى فضاء علمي مفتوح، يؤمه طلاب العلم من مختلف المشارب دون تمييز، ولا يكون معيار التفاضل بينهم إلا الجدّ والاجتهاد في طلب المعرفة. ويتكفل آل الشيخ سيديا بالإنفاق على الطلاب والأساتذة، في تقليدٍ راسخ يعكس إخلاص هذه المحظرة في نشر العلم لوجه الله، بعيدًا عن أي مقابل أو غاية مادية.
كما يتميز رمضان في تندوجة بأجوائه الإيمانية العميقة، حيث تتعانق تلاوة القرآن مع حلق الذكر ومجالس العلم، في تجربة روحية متجددة تجعل من القرية مدرسةً للقلوب والعقول، ومقامًا فريدًا للعلم والعبادة في الشهر المبارك.
وقد لقيت هذه التدوينة صدى واسعًا في الأوساط الثقافية، وكان من أبرز التفاعلات معها مقالٌ للدكتور محمدو أحظانا، رئيس منتدى الفائزين بجائزة شنقيط، بعنوان:
«تندوجة، وما أدراك ما تندوجة؟ أول مؤتمر وطني لمقاومة الاستعمار».
https://avaghfikria.info/archives/3185
في هذا المقال، ينتقل الدكتور أحظانا من البعد الوجداني إلى البعد التوثيقي، مستعرضًا شهادة تاريخية دقيقة عن تندوجة، منذ تأسيسها على يد العالم العارف، والشاعر، والسياسي الجامع الشيخ سيدي ولد المختار ولد هيبه، مرورًا بدورها العلمي والاجتماعي، وصولًا إلى موقعها المفصلي في مسار المقاومة الوطنية ضد الاستعمار الفرنسي.
ويبرز المقال كذلك البعد الأدبي في كتابة التاريخ، حيث يزاوج بين الشعر والتأريخ، مستحضرًا قصائد خالدة وثّقت لتلك المرحلة، وأرّخت لأدوار الشخصيات العلمية والسياسية التي أسهمت في صناعة مجد تندوجة، وشكّلت وعيًا وطنيًا مبكرًا.
وإذا كانت تدوينتي قد ركزت على البعد التأملي والروحي للمكان، فإن مقال الدكتور أحظانا يضيف إليها بعدًا تاريخيًا وسياسيًا موثقًا، ليشكّل النصّان معًا صورةً متكاملة عن تندوجة: محظرةً للعلم، وفضاءً للعبادة، ومنصةً مبكرة لصناعة القرار الوطني ومقاومة الاستعمار.
ويعيد هذا التفاعل الكتابي إبراز الدور المحوري للمحاظر في صون الذاكرة الوطنية، وربط الأجيال الحاضرة بموروثها الحضاري والعلمي، بعيدًا عن القراءات الاختزالية للتاريخ.
أما ما أشار إليه الدكتور أحظانا من اعتكافي العلمي في محظرة تندوجة خلال شهر رمضان، فهو امتداد طبيعي لدور هذه المحظرة العريقة في نشر العلم، والحفاظ على التراث الثقافي والمعرفي، وترسيخ قيم العطاء والتجرد التي قامت عليها منذ تأسيسها.
وهكذا تبقى تندوجة شاهدًا حيًا على تلاقي العلم والروح، والتصوف والسياسة، والتأمل والمقاومة، في تجربة تاريخية غنية، جديرة بمزيد من البحث والكتابة والإنصاف.
من صفحة لمرابط ولد لخديم



