السبت
2024/06/22
آخر تحديث
السبت 22 يونيو 2024

ولد بكار: الاتحاد الأوروبي لم يقدم مزايا بحجم الدور والموارد التي سيأخذ من البلد

10 فبراير 2024 الساعة 16 و46 دقيقة
ولد بكار: الاتحاد الأوروبي لم يقدم مزايا بحجم الدور (…)
طباعة

أصدرت اليوم رئيسة المفوضية الأوروبية، فون دير لاين، بعد اجتماعها مع رئيس الوزراء الاسباني سانشيز بالرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، اليوم، 8 فبراير 2024، بيانا تضمن التشكرات الحارة للرئيس الذي لم يمض وقتا طويلا على زيارته للمفوضية في بروكسيل، معترفة بأهمية الشراكة مع موريتانيا وبتقديم الدعم لها في مجالات التعاون المشترك مثل خط عالي الجهد بطول 1400 كيلومتر من نواكشوط باتجاه النعمة، ومحطة للطاقة الشمسية بكيفة، ودعم الانتقال الرقمي، والمشاركة في تمويل كابل بحري ثاني لمزيد من الاتصالات، ودعم الأمن ب 40 مليون يورو، وبناء كتيبة أمنية جديدة لمكافحة الإرهاب . إنها محفظة مفيدة، لكن مقابل ماذا ؟
يعرف الاتحاد الأوروبي تركيزا كبيرا على موريتانيا هذه الأثناء، وذلك بسبب حرب أوكرانيا التي كشفت عن مشكل جوهري للطاقة بالنسبة لأوروبا. وكانت موريتانيا من أوائل الدول التي تتجه إليها أنظار الأوروبيين بسبب حجم مخزونها الهائل من الطاقة خاصة الهيدروجين الأخضر بمصادره الثلاثة: الماء والرياح والشمس، كما تملك موريتانيا احتياطا كبيرا من الغاز الذي استحوذت عليها شركات انجليزية وأمريكية.
إن أوروبا تغالب الزمن وتستبق التاريخ في الاستحواذ على هذا المخزون، وتريد أن تستفيد من ضعف تجربة موريتانيا في هذا المجال من أجل الحصول على مزايا أوسع .
كما تسعى إسبانيا من خلال الاتحاد الأوروبي للدخول لعمق الملف الأمني الموريتاني في سبيل دعم مجهود مماثل للاستراتيجية الوطنية لمحاربة الإرهاب من أجل تحميلها مسؤولية حماية السواحل الأوروبية مقابل اتفاقيات على الطريقة الأوروبية دائما: "كرية مندريش"، كما يقال: "سنقتلك ونملأ لك فروك ذهبا".
وتريد فرنسا أن تعتمد على موريتانيا كمنطقة "تشحيم" بين مالي والجزائر ، فموريتانيا تكاد تكون الدولة الوحيدة التي بقيت مستعدة لجميع أنواع التنسيق داخل مجموعة الساحل التي انهارت على الرؤساء الفرنسيين الأقل حكمة وصرامة ، ومع ذلك ظلت صاحبة أقل نصيب في الدعم الذي قدمه الاتحاد الأوروبي لدول الساحل، أقل نصيبا حتى من بوركينا فاسو غير المتاخمة للصحراء .
موريتانيا في هذا الواقع أمام وضع صعب أمام هذه الضغوط الكبيرة التي تُقدم لها في "وجار" الصداقة، وهي في الحقيقة في تعميق مشاكلها الجوهرية .إنها تواجه رهانين قويين منفصلين ومتصلين: رهان الموضع ورهان الموقع ، بالنسبة لرهان الموضع، فإنها تقع على أكثر من 3000 كلمتر من حدودها على الصحراء التي تعمرها الحركات المتطرفة والتهريب والجفاف. أغلب هذه الحدود: 2400 كيلومتر تقريبا تربطنا بدولة مالي المصنفة على حافة الفشل ، و1000 كيلومتر تقريبا تربطنا بالجزائر والصحراء الغربية، وخط مائي من 730 كيلومتر على النهر هي الأخرى تفصلنا عن أكثر من 300 مليون نسمة ينوى الكثير منها الهجرة إلى أوروبا، وفي النهاية تكون موريتانيا موطنه النهائي بعد فشل مساعي الهجرة، وما يحمل ذلك من تحد اجتماعي وأمني لا يقدر بثمن مادي. وقد برهنت انتخابات 2019 على وجود كثير من الأجانب ضمن المتظاهرين …و750 كلمتر على المحيط هي منطقة التسلل إلى أوروبا .
أما بالنسبة للموقع، فإن وضع موريتانيا الجيوبولوتيكي يزداد أهمية يوما بعد يوم بسبب الأحداث العالمية التي يشهدها العالم، فبالنسبة للجيران المتنافسين تحاول كل من المغرب والجزائر العبور المكثف عبر موريتانيا إلى إفريقيا من أجل ترويج نهضتها التجارية والصناعية، وبالنسبة لأوروبا والعالم فإن موريتانيا أخذت موقعها في الأهمية الدولية بعد بروز تحديات الألفية: الإرهاب والهجرة والتهريب، حيث صارت ممرا لكل هذه الآفات الثلاث في آن واحد، وأخذت تلك الأهمية في الازدياد عندما طورت تلك الحركات من أعمالها وطموحها وقدراتها القتالية، لكن الأهمية تكرست أكثر بعد ازدهار استخدام العالم للطاقة النظيفة، ثم اكتشاف كميات هائلة من الغاز في موريتانيا، إضافة إلى الفكرة القديمة التي سيتم إحياؤها بقوة عن وفرة المعادن في موريتانيا. وبعد ذلك الحرب الروسية الأوكرانية حيث دخلت أوروبا أزمة الطاقة المستفحلة.
إن موريتانيا دولة قوية جدا بموقعها وضعيفة نسبيا بموضعها، وهكذا تحاول أوروبا الولوج لها من نقطة الضعف لاستخدام نقطة قوتها لمصلحتها وليست لمصلحة الدولة الموريتانية على نفس طريقة الشراكة العرجاء. أصحاب القوة يستنزفون الضعيف من خلال التركيز على خلق تعاون حول نقاط الضعف تماما مثل الشراكة في مجال الصيد وفي المجال الأمني. إننا دائما الطرف الضعيف في كل تلك الشراكات التي يشهد عليها عدم تمكننا من الاستفادة من الخبرات والتقنيات المتطورة لتلك القطاعات .
إن بيان الاتحاد الأوروبي واسبانيا وفرنسا لم يقدم مزايا كبيرة مقابل الدور والموارد التي سيأخذونها من بلد ضعيف هاجر منه عشرات الآلاف بحثا عن فرص لحياة أفضل . شعب يعاني من مشاكل بنيوية اقتصاديا تمنعه من الاستغلال الأمثل لموارده وللفرص الاقتصادية التي تزداد يوما بعد يوم لديه.
إن المتابع للبيان الإعلامي الذي وجهه الاتحاد الأوروبي للصحافة تبرز فيه نقاط مهمة هي أن هذه الشراكة تمت في ظروف صعبة، ويتعلق الأمر بالوضع الأوروبي وليس الوضع الموريتاني الذي لم يكن هدفا أبدًا بالنسبة للاوروبيين .
ثانيا أن البوابة لم تتحدث عن تطوير اقتصادي ولا علمي ولا تقوية البنى التحتية الموريتانية رغم وضوح الآمال الواسعة للأوروبيين على هذه "الشراكة ". إن الوضع الموريتاني يتطلب مزيدا من اليقظة اتجاه الاتفاقات حول الهجرة والأمن والطاقة، فهذه النقاط الثلاث هي مركز قوة موريتانيا خلال هذا القرن، وعليها أن لا تستنزفها من خلال التسرع والرضوخ للضغوط الأوروبية عليها .
إن موريتانيا بحاجة لإعادة التأسيس حول أهداف أكثر وطنية ومساواة وعدالة وبناء الإنسان . وهكذا يتوجب على الرئيس غزواني، الذي أسس لنجاح ديبلوماسي قوي وطور الثقة بالبلد، أن يظل على نفس خط المجاملات والزيارات المتبادلة حتى يطور قواعد التفاوض لديه التي يجب أن تبنى على أساس علمي واستراتيجي وتاريخي. إننا نعاني اليوم من طريقة تسيير اتفاقات تقاسم الانتاج في كل من موضوع الذهب والغاز . لقد اتضح أن معالجة الاختلالات تطلبت وقتا ومجهودا كبيرين للفريق الوطني الذي كان يسير هذا المرفق . إن موريتانيا دولة لديها تاريخ يجب أن يظل حاضرا في الحاضر والمستقبل، كما أن لديها تحديات عميقة اجتماعية يجب أن تظل في جميع تفاصيل القرارات الأساسية التي يمكن الدخول منها إلى موارد البلد ومجهوده الأمني .وهكذا يتوجب على الدولة أن تدمج التنظيمات الوسيطة والخبراء الوطنيين في كل عمل يستهدف موارد البلد وتقاسم الثروة أو جزءا من الحيز الوطني .

من صفحة الاعلامي والمحلل السياسي محمد محمود ولد بكار