حدث هذا في سنة 1929: هكذا انتحر عشرات الآلاف عقب انهيار بورصة
بداية من يوم 24 تشرين الأول/أكتوبر 1929، عاشت الولايات المتحدة الأميركية على وقع أسوأ أزمة اقتصادية على مر تاريخها، حيث انهارت أسعار الأسهم ببورصة وول ستريت بشكل مهول بعد أن ارتفعت طيلة السنوات التالية، لتبلغ أرقاماً قياسية. وبسبب ذلك، وجد عدد هائل من الأميركيين الذين استثمروا أموالهم بالبورصة أنفسهم مفلسين وامتدت هذه الأزمة نحو البنوك عقب إقبال الزبائن بكثافة لسحب أموالهم وعدم التزام المتدينين بسداد قروضهم. واستمر انهيار الأسهم بوول ستريت طيلة الأيام التالية، لتبدأ على إثر ذلك أزمة الكساد العظيم، التي تواصلت طيلة فترة الثلاثينيات متسببة في تدهور الوضع الاجتماعي بالولايات المتحدة الأميركية.
وفي خضم يوم 24 تشرين الأول/أكتوبر 1929 الموافق لما يعرف بالخميس الأسود، انتشرت بالولايات المتحدة الأميركية شائعات حول إقدام عدد كبير من المستثمرين وأصحاب البنوك على الانتحار عن طريق إلقاء أنفسهم من نوافذ المباني الشاهقة. ودون قصد لعبت الصحف الأميركية دوراً هاماً في نشر هذه الشائعات فخلال اليوم التالي عنوت صحيفة نيويورك قائلة إن وول ستريت ستكون أشبه بقرية أشباح في حال صحة تقارير حالات الانتحار بسبب تداعيات انهيار سوق الأسهم.
وفي خضم أهوال الخميس الأسود وحالة الهلع التي انتابت الجميع، تحدّث البعض عن إقدام 11 مستثمراً على القفز من المباني الشاهقة. ومع انتشار هذه الشائعات، تجمهر الناس تحت أحد المباني العالية بوول ستريت لمشاهدة منظف نوافذ أثناء قيامه بمهامه وانتظروا سقوطه إيماناً منهم أن الأخير مستثمر خسر كل أمواله أثناء المضاربة بالبورصة.
وخلافاً لما نشر حينها، أكد الخبير الاقتصادي الأميركي، جون كينيث غالبريث، (John Kenneth Galbraith) أن قصة موجة الانتحار لم تكن سوى إشاعة تناقلتها الصحف وساهمت في زيادة حالة الهلع بين الأميركيين، كما نبّه غالبريث أيضاً إلى أن نسبة الانتحار أثناء شهري تشرين الأول/أكتوبر وتشرين الثاني/نوفمبر كانت منخفضة مقارنة ببقية أشهر عام 1929. أيضا، رفض المسؤولون الطبيون بنيويورك هذه التقارير ودحضوها منتصف تشرين الثاني/نوفمبر 1929، مؤكدين أن عدد عمليات الانتحار بمانهاتن قد بلغت 44 حالة فقط، مسجلة بذلك انخفاضاً واضحاً، مقارنة بالعام الفارط الذي شهد 53 انتحاراً خلال نفس الفترة.
في الأثناء، عرفت شائعات موجة الانتحار انتشارها بفضل تقارير قدّمها بعض الزائرين بنيويورك، والذين كان من ضمنهم رجل يدعى ونستون تشرشل شغل لاحقاً منصب رئيس وزراء بريطانيا. فأثناء إقامته بنزل سافوي بلازا (Savoy-Plaza Hotel)، تحدّث تشرشل عن وقوع رجل من أعلى الطابق 16 وسقوط جثّته على مقربة منه يوم 29 تشرين الأول/أكتوبر 1929. لكن على حسب ما أكدته التقارير المعاصرة، تعود هذه الجثة للكيميائي الألماني أوتو ماتياس (Otto Matthies). وعلى الرغم من عدم وضوح أسباب السقوط، فإن وفاة الأخير قد جاءت قبل ساعات من بداية أزمة البورصة نافية بذلك أية صلة لها بكارثة انهيار الأسهم. أيضا، تناقل بعض الفكاهيين الأميركيين قصصاً عن أسطورة موجة الانتحار وساهموا في الترويج لها فتحدّث ويل روجرز (Will Rogers) عن أدب الانتحار واصطفاف المستثمرين في انتظار دورهم للقفز من النوافذ، بينما تحدّث إيدي كانتور (Eddie Cantor) عن حلوله بأحد النزل وحصوله على سؤال غريب من الإدارة حول ما إذا كانت الغرفة للنوم أو الانتحار.
من جهة ثانية، شهدت تلك الفترة حالات انتحار ضئيلة وشاذة على صلة بانهيار سوق الأسهم كحادثة إقدام المستثمر جورج كولتر (George Cutler) البالغ من العمر 65 عاما على القفز من الطابق 17 عقب خسارته لأموال طائلة بالبورصة. كما تناقلت الصحف أخبار حالات انتحار مروعة خلال الأشهر التالية، ولعل أبرزها حادثة إقدام المستثمر فراد ستيوات (Fred Stewart) على خنق نفسه بالغاز، وإطلاق المستثمر جون شفيتزغيبل (John Schwitzgebel) النار على نفسه بملهى ليلي.
وعلى الرغم من أن حادثة إقدام الأميركيين على القفز من أعلى المباني عقب انهيار البورصة لا تتعدى كونها أسطورة، شهدت سنوات الكساد العظيم التي استمرت أثناء الثلاثينيات ارتفاعاً واضحاً في حالات الانتحار، حيث لجأ كثيرون لذلك كحل أخير عقب تدهور وضعهم المادي وتحوّلهم لحياة التشرد.




