السبت
2026/10/24
آخر تحديث
السبت 24 أكتوبر 2026

ماذا لو كنت وزيرًا أول؟ الحلقة الأولى)(

منذ 8 دقيقة
ماذا لو كنت وزيرًا أول؟ الحلقة الأولى)(
طباعة

أولًا: إغلاق باب المجهول أمام الرئيس والبلد

لو كنت وزيرًا أول، لكانت مهمتي الأولى هي إغلاق باب المجهول أمام الرئيس وأمام البلد. فما هو هذا المجهول الذي أتحدث عنه؟

إنه موجات البشر التي قد تخرج إلى الشارع، لا تعرف بالضرورة ماذا تريد بالتحديد، لكنها تعرف جيدًا عمّا تحتج، وما الذي تعبر عنه من سخط على أوضاعها الاجتماعية وظروفها المعيشية. فكل شيء في البلد بات يتجاوز حدود القدرة الشرائية للمواطن وطاقة تحمله، ولم تكن احتجاجات الطلاب سوى تعبير عن جانب محدود من هذا الوضع المتفاقم.

إن اللحظة التي قد يتدفق فيها الناس إلى الشارع لا يمكن التنبؤ بموعدها ولا بحجمها ولا بدرجة حدتها، ولا من سيركبها ولا من سيحاول أن يؤثر فيها، لكن المؤكد أن الوضع الاجتماعي ، في جميع الأحوال، لا يمكن تجاهله أو الاستهانة بتداعياته كما ان وضع موريتانيا في قلب الصراع الجيوسياسي المرتبط بالجغرافيا والموارد الكبيرة للطاقة والمعادن الثمينة أيضا لا يمكن إغفال دوره في الاستقرار أو توتيره .

والغريب أن برنامج الوزير الأول لا يبدو وكأنه يأخذ هذه المخاطر على محمل الجد؛ إذ ينصب الاهتمام على زيادة موارد الخزينة من خلال توسيع الوعاء الضريبي، وعلى تنفيذ الخطط السنوية والبرامج الحكومية التي تلامس بعض جوانب حياة المواطن، وتسعى لتأهيل المدينة الكبيرة الخشنة والفوضوية ، للحياة ، دون أن تجعل من تخفيف الأعباء المعيشية وكبح غلاء الأسعار أولوية مركزية.

وفي ظروف كهذه، يصبح المواطن شديد الحساسية تجاه أي ضريبة جديدة، خصوصًا عندما يشعر بأنه سيتحمَّلها في نهاية المطاف ، بدل أن تستهدف الفاعلين الاقتصاديين الكبار الذين يملكون القدرة الأكبر على المساهمة في تمويل الدولة،ويكون وأعمى عن الإنجازات التي لا يستفيد منها في معركة القوت اليومي .

فالتاجر والناقل، في واقعنا الاقتصادي، يعمدان إلى تحميل المستهلك أعباء أي ضريبة جديدة، لتتحول الإجراءات التي يُفترض أن تزيد موارد الدولة إلى عبء إضافي على المواطن، بدل أن تتحملها الجهات الاقتصادية القادرة على استيعابها.

إن حياة المواطن أصبحت اليوم رهينة تقلبات الأسواق العالمية، وارتفاع أسعار المواد الأساسية، وضعف القدرة الشرائية. ومع أن الوزير الأول يبذل جهودًا مهمة في مجال مراقبة الأسعار، فإنه يواجه صعوبات كبيرة في ضبط أساليب التحايل التي يلجأ إليها بعض الفاعلين في السوق ،وتبقى مشكلته الأساسية أن كل شيء يدور حوله شخصه لاحول عمل المؤسسات .
إن ذلك يضعه أمام تشتيت التركيز ،ويعمق التحدي فالأمر ليس مجرد مراقبة الأسعار؛ بل حجم التواطؤ والممارسات الاحتكارية التي تتحكم في تحديد الأسعار، وبالعراقيل التي تُوضع أمام المنافسة، فضلًا عن الاختلالات المرتبطة بحماية المنتج الوطني من المنافسة الخارجية التي لابد لها من رؤية وجهاز تنفيذي.

فكيف يمكن أن نتحدث عن حماية المنتج الوطني، بينما تتحمل السلع المستوردة أعباء ضريبية وتكاليف لا تتحملها بعض المنتجات المحلية، ثم نطالب المواطن بقبول أسعار مرتفعة بحجة حماية الإنتاج الوطني؟ إن الحماية الانتاج المحلي لا ينبغي أن تتحول إلى غطاء لاحتكار السوق أو تحميل المستهلك تكلفة ضعف التنافسية،لأن بعض رجال الأعمال يعلنون الولاء ويتحملوا أعباء الحملات السياسية للنظام .

والسؤال الجوهري هنا: كيف يمكن بناء اقتصاد وطني قادر على المنافسة، إذا كانت السياسات المتبعة تحمي بعض المصالح القائمة بدل أن تحفز الإنتاجية وتخفض الأسعار وتوسع خيارات المستهلك؟

هذه الاختلالات الكبيرة لم تجد، حتى الآن، ما يكفي من المعالجة الفعلية، رغم أن بعض جوانبها قد تكون مؤطرة بالقوانين والنصوص التنظيمية. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل يملك الوزير الأول القدرة والإرادة لتسوية هذه الاختلالات على أرض الواقع، أم أنه سيظل أسير القيود التي تعطل الإصلاح وتحد من فعالية القرار الحكومي والاعتماد على قدراته الشخصية ،لا مؤسسات الدولة ؟

إن وضع المختار ولد اجاي اليوم على رأس الحكومة يضعه أمام محك حقيقي. فقد تهيأت له ظروف من شأنها أن تتيح له العمل بعيدًا عن بعض العراقيل التي أثقلت أداء الحكومة وظل يعاني منها ، خصوصًا بعد تخلي الرئيس عن بعض المقربين منه الذين بالغوا في تقدير أدوارهم ونفوذهم ،على نحو يصعب فهمه في الوفاء للرئيس.
لقد كانوا، نتاج هامش من الثقة السياسية التي منحها لهم الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني ، لكنهم تجاوزوا الحدود التي يفترض أن تحكم أدوارهم داخل النظام وبالنسبة للطموح ، حتى أصبح بعضهم مصدر إرباك سياسي للرئيس وللحكومة خاصة بالنسبة لوزيري الدفاع والداخلية ، بدل أن يكونا عنصري دعم واستقرار.

ولا يمكن لأي نظام أن يستقر سياسيًا إذا تحولت مراكز النفوذ المحيطة بالرئيس إلى مراكز قوة وقرار موازية، أو إذا أصبح بعض المقربين منه يتصرفون وكأنهم بدائل عنه أو شركاء في صلاحياته الدستورية يعملون معه في نفس الوقت .

ويبدو أن الرئيس غزواني يرى في المختار ولد اجاي الشخص القادر على العمل لمصلحته السياسية وإدارة الملفات الحكومية بما يضمن له تنفيذ برنامجه الانتخابي ،وقد ازدادت الحاجة لذلك ونحن امام ضبابية تحول سياسي "مركزها الرئيس ". وقد عمل الرئيس، في مراحل مختلفة، على إزالة بعض العراقيل التي كانت تواجه الوزير الأول، سواء تعلق الأمر بأشخاص أو بقرارات.

لكن هذه الثقة، مهما بلغت، لن تكون كافية إذا لم تتحول إلى نتائج ملموسة في حياة المواطن الذي هو ايضا مركز كل ذلك .

فالرهان الحقيقي ليس في إعادة ترتيب مراكز النفوذ داخل النظام، ولا في التخلص من العراقيل السياسية فحسب، بل في تحويل سلطة القرار إلى قدرة فعلية على معالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، واستعادة ثقة المواطن، وإغلاق أبواب المفاجآت التي قد تنشأ عن تراكم الأزمات.

فماذا لو كنت وزيرًا أول؟ من أين سأبدأ، وما الأولويات التي سأضعها، وكيف سأحول الإمكانات المتاحة إلى نتائج ملموسة؟
سأبدأ من الأمن الغذائي ليس كشعار، بل سياسة اقتصادية متكاملة

لو كنت وزيرًا أول،
اولا :لبدأت بتحديد مفهوم الأمن الغذائي، وتوضيح القطاعات التي ينبغي أن نعتمد عليها لتحقيقه، ووضع أهداف قابلة للقياس، وآليات واضحة للتنفيذ والمتابعة.

فلا يكفي أن تحمل مؤسسة حكومية اسم الأمن الغذائي حتى تكون قادرة على تحقيقه. لقد تأسست مفوضية الأمن الغذائي سنة 1981 تحت هذا العنوان، لكن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم هو: ما التصور الاستراتيجي المتكامل الذي وضعته هذه المؤسسة لتحقيق الأمن الغذائي؟ وما النتائج التي حققتها في تقليص التبعية الغذائية وتعزيز قدرة البلد على توفير احتياجاته الأساسية؟ لقد ظلت في الواقع بعيدة عن ذلك المرمى . فهي حسب رأي البعض لم تبرح مكانها الأول كعطية لموظفين شعبويين في الغالب لتمكين بعض أصفياء النظام من ثروة في الخلف !

إن الأمن الغذائي ليس مجرد توزيع للمواد الغذائية عند الأزمات، ولا هو تدخل اجتماعي محدود لمواجهة الفقر، بل هو منظومة إنتاج وتمويل وتخزين ونقل وتوزيع، تتكامل فيها الزراعة والصيد والتنمية الحيوانية والصناعات الغذائية والأسواق.

وإذا لم ننتقل من منطق التدخل الظرفي إلى منطق بناء منظومة إنتاج وطنية مستدامة، فسنظل ندور في الحلقة نفسها: نستورد ما نستهلك، وننفق ما نملك، وننتظر الأسواق الخارجية لتحدد لنا أسعار قوتنا اليومي والأسوأ من ذلك انتظار الصدقات .

وثانيًا، سأعمل على توسيع النشاط الاقتصادي وتطويره، بما يرفع دخل المواطنين، ويدعم المبادرات الفردية، ويحسن ظروف الموظفين والعمال والناقلين، ويوفر فرصًا حقيقية للشباب.

أما فيما يتعلق بالقوت اليومي للمواطن، فسأضع ثلاثة قطاعات رئيسية في صدارة الأولويات: الصيد، والزراعة، والتنمية الحيوانية.

هذه القطاعات ليست مجرد أنشطة اقتصادية منفصلة، بل هي الأساس الذي يمكن أن نبني عليه أمننا الغذائي، ونخلق من خلاله فرص العمل، ونحد من الفقر، ونخفف الضغط على العملة الصعبة، ونوسع قاعدة الإنتاج الوطني.

أولًا: الصيد البحري… كيف نعجز عن توفير السمك في بلد يملك ثروة سمكية هائلة؟

السؤال الذي سأبدأ به هو: لماذا تبلغ القدرة الإنتاجية لقطاع الصيد في بلدنا نحو مليون ونصف المليون طن سنويًا، وفق التقديرات المتداولة، بينما أصبح الحصول على السمك الموجه للاستهلاك البشري تحديًا أساسيًا أمام المواطن الموريتاني؟

كيف كان المواطن يحصل على هذه المادة الغذائية في السابق؟ وما الذي تغير حتى أصبح السمك، الذي يفترض أن يكون أحد أرخص مصادر الغذاء في بلدنا، بعيدًا عن متناول فئات واسعة من المواطنين؟

إن المعلومات والمعطيات التي ينبغي التحقق منها ومناقشتها بجدية تشير إلى أن جزءًا من الثروة السمكية التي كان يمكن أن يوجه للاستهلاك البشري أصبح يُستغل في إنتاج دقيق السمك وزيته الموجه للخارج ، في حين أن جزءًا من الصيد الذي يأتي من الصيد الخطأ وكان موجه للاستهلاك المحلي صار يُمنح لشركة توزيع السمك .

ومهما يكن حجم هذه الظاهرة، فإن السؤال الذي لا يمكن تجاهله هو: كيف يمكن لبلد يمتلك هذه الثروة البحرية أن يعجز عن توفيرها بانتظام في أسواقه المحلية؟

لقد أصبح السمك يتراجع في الأسواق الشعبية، بينما لا تتوفر لدينا، باستثناء بعض وسائل الصيد التقليدي، بنية إنتاجية متكاملة وموجهة أساسًا إلى تزويد السوق المحلية باحتياجاتها.

إن المشكلة ليست في ندرة الثروة، وإنما في كيفية استغلالها، وفي طبيعة الاستثمارات الموجهة إليها، وفي غياب التوازن بين التصدير وتحقيق الأمن الغذائي الوطني.

الحل يبدأ بفرض القانون، ثم بناء منظومة وطنية للصيد موجهة للاستهلاك المحلي.

أولًا، سأفرض دفاتر الالتزامات المترتبة على رخص مصانع دقيق السمك تطبيقًا صارمًا، وأراجع مدى احترامها للشروط القانونية والبيئية والاقتصادية التي منحت بموجبها تلك الرخص.

فإذا كانت المادة الخام المسموح بتوجيهها إلى هذه المصانع لا تكفي لتشغيلها جميعًا بصورة مشروعة، فلا ينبغي السماح لها بتعويض النقص باستغلال الأسماك الصالحة للاستهلاك البشري، أو تجاوز الشروط التي تحكم نشاطها.

إن تطبيق دفاتر الالتزامات بحزم قد يؤدي إلى توقف المصانع التي لا تستطيع العمل في إطار القانون، وهذه نتيجة طبيعية إذا كان استمرارها قائمًا على تجاوز الشروط التي منحت بموجبها التراخيص.

وهكذا تظل المشكلة في كثير من الأحيان، وإنما في ضعف التنفيذ، أو الانتقائية في تطبيق النصوص، أو وجود مصالح تعطل الإصلاح من داخل النظام نفسه ، لا في غياب القوانين أو القرارات.

ثانيًا، سأعمل على توجيه جزء مهم من الاستثمارات الوطنية، ومن جهود برامج التمكين الاقتصادي ومكافحة الفقر،ومن اطار الشراكة بين القطاع العام والخاص خاصة البنوك ، إلى بناء منظومة وطنية للصيد التقليدي والحرفي، وتوفير وسائل الإنتاج والتمويل والتسويق.

فمثلا أعمل على إنشاء تجمعات مهنية للصيد على امتداد الساحل، تربط بين الموانئ الثلاثة: انجاكو، وسوق نواكشوط، وتانيت، وخليج الراحة، وتتحول إلى شبكة وطنية متكاملة لتوفير السمك للسوق المحلية تقوم على توفير القوارب، والمعدات، والتكوين، والسلامة البحرية، ومرافق الإنزال والتفريغ، والتبريد، والنقل، والتسويق.

وذلك عبر خطة دعم ورفع إنتاجية تقوم على :
– رفع رفع انتاج مصنع الزوارق المحلي من الزوارق سنويا .
– إلزام شركة هوندونغ الصينية باحترام التزاماتها التعاقدية، ولا سيما ما يتعلق بإنشاء زوارق الصيد، المنصوص عليه في الاتفاق المبرم معها في محاولة لرفع سقف مضاعفة صناعة الزوارق بل ودفعها لصناعة المزيد .

– إنشاء أسواق محلية مجهزة بالتبريد وحفظ المنتجات السمكية في الولايات والمقاطعات، حتى لا يظل الوصول إلى السمك مرتبطًا بالموقع الجغرافي أو بتقلبات العرض في المدن الساحلية.

– مراجعة الاتفاقيات المبرمة في مجال الصيد، بهدف تحويل أكبر قدر ممكن من التزاماتها إلى نقل الخبرة، وتوفير المعدات، وتكوين اليد العاملة الوطنية، وتطوير البنية التحتية التي تخدم السوق المحلية.

ويمكن أيضًا أن يصبح الصيد جزءًا من برامج التكوين والتدريب العملي لبعض القطاعات المعنية، مثل خفر السواحل والجهات المختصة بالصيد، مع احترام اختصاص كل مؤسسة ومهمتها الأساسية.

إن بناء هذه المنظومة سيؤدي إلى زيادة العرض في السوق المحلية، وتنويع أنواع الأسماك المتاحة، وخلق آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، وتحسين دخول العاملين في القطاع.
إنه من غير المعقول أن يكون كلغ السمك مثل كوربين وشوف ب4000 أوقية ،ويصبح النوع الذي كانت سمكته ب 20 أوقية ب 200 أوقية .لقد كان هذا الأخير هو ملاذ الأسر الفقيرة وقطاع العمال من متدني الدخل والأسر ذات التعداد الكبير إنه اليوم يستنفذ جيوبهم ،فكيف لا يكون هذا جزءًا رئيسيًا من برنامج الوزير الأول .
يتواصل

الإعلامي والمحلل السياسي محمد محمود ولد بكار