الجمعة
2026/09/18
آخر تحديث
الجمعة 18 سبتمبر 2026

اتركوا أبناءنا للخوارزميات… ثم انتظروا مجتمعًا آخر

منذ 1 دقيقة
اتركوا أبناءنا للخوارزميات… ثم انتظروا مجتمعًا آخر
طباعة

تشهد دول غربية توجهًا متزايدًا نحو تشديد الضوابط المتعلقة باستخدام الأطفال والمراهقين للهواتف ووسائل التواصل الاجتماعي، بعد تصاعد المخاوف بشأن آثار الاستخدام المفرط للشاشات، والتعرض للمحتوى الضار، والخوارزميات التي تدفع المستخدمين لإدمان المنصات.

فقد طبقت أستراليا، منذ ديسمبر 2025، قواعد جديدة تلزم المنصات باتخاذ إجراءات حاسمة لمنع من هم دون السادسة عشرة من إنشاء حسابات أو الاحتفاظ بها، وتشمل هذه المنصات: “فيسبوك”، و”إنستغرام”، و”تيك توك”، و”يوتيوب”، و”سناب شات”. كما سلكت بريطانيا مسارًا مشابهًا في يوليو 2026، عبر تبني خطط لتطبيق قيود على استخدام بعض وسائل التواصل لمن هم دون 16 عامًا، مع توقع دخول التغييرات حيز التنفيذ في ربيع 2027، إلى جانب إجراءات أخرى للحد من الميزات عالية الخطورة.

وتعكس هذه الإجراءات إدراكًا لمفهوم الحرية المسؤولة في المجال الرقمي؛ لحماية القاصرين من أن يكونوا فريسة للخوارزميات بلا توجيه يعبر عن روح المجتمع وثقافته وقيمه الاجتماعية وقواعده الاخلاقية ، وتجنبًا لمشكلات تربوية ونفسية واجتماعية خطيرة.

مما يدفعنا للتساؤل وجيه: الدول تحمي أبناءها من الخوارزميات ..فماذا نفعل نحن؟
أن أسباب التغافل عن هذا الخطر في بلدنا غير مفهومة ؛ إذ إن دولًا تُوصف عادة بأنها الأكثر انفتاحًا على التحول الرقمي باتت تراجع سياساتها وتفرض قيودًا لحماية الأطفال، بينما نتقاعس في مجتمعنا المسلم عن حماية أبنائنا، رغم منظومتنا القيمية والأخلاقية ونكتفي بتفعيل قانون الجريمة السبرانية الذي لا يبوّب على الجريمة الكبرى التي هي فساد المجتمع وخاصة أجيال المسقبل .

إن القضية لا تتعلق بالهاتف أو التطبيقات وحدها، بل بالخطر الذي يحمله الفضاء المفتوح بلا ضوابط!

لقد أصبحت مظاهر التراجع الأخلاقي في بلادنا مصدر قلق متزايد؛ يتلاقى مع ضعف دور الأسرة والمدرسة في التربية، وتراجع تأثير القدوات، وانتشار ثقافة الشهرة السريعة. كما تحولت بعض المنصات إلى فضاء يكافئ الإثارة والاستفزاز، ويروّج للخواء الروحي والابتذال على حساب المعرفة والمسؤولية والانضباط.
إن المحتويات الرقمية في التواصل الاجتماعي تخلق مجتمعا مختلفا ومغايرا وغريبا عنا بمفرداته ومصطلحاته وأهدافه ومراميه إنه يذيب كل القيم والعادات الحميدة ليحل محلها الابتذال والحرية الفردانية التي تضع السوقة في مكان القدوة .

وتلتقي هذه الموجة مع أخرى سبقتها في شكل سطو مفاهيمي يلغي وطأة العار على السلوك الانحرافي والحدود الأخلاقية التي تميز بين السلوك المقبول والضار؛ كاستبدال الجدية بالسطحية “اسويرتي”، أو إسباغ ألقاب مخففة على النفاق السياسي مثل “اتلحليح”، وأخرى على سرقة المال العام مثل “اتفگريش” وتمجيد السفور وغيرها مما أخذ يغرس في المجتمع الانحراف تحت مسميات بلا رقابة ضمير ولا وازع من الدين أو الاخلاق .

إن مجتمعنا، إضافة إلى الحاجة الماسة لتلك الضوابط على الفضاء الرقمي، يحتاج بإلحاح إلى منظومة قيمية صارمة تعيد بنية منظومته الاخلاقية وتدعم صولة جديدة لمفاهيم الشرف والعزة والنخوة والستر وتعدم سيطرتها على الحياة اليومية ووقف سطوة المسلكيات الانحرافية في المجتمع ، كما ينبغي عدم ترك الشباب فريسة تحت رحمة إغراءات الخوارزميات والفضاء الحر .
إن إعادة الثقة والروح في المصطلحات الرادعة للمسلكيات الانحرافية الجديدة التي تمجد الغوغاء والسلوك الضار ،يقود في النهاية إلى شبه تنشئة تأسيسية للمجتمع ويساهم في وضع قواعد جذرية لمحاربة الفساد الذي نصدره فساد المجتمع وانعدام الضوابط لسلوكه الاجتماعي .

إن الخطر الأكبر ليس في التكنولوجيا ذاتها، بل في غياب التوازن بين الانفتاح والحماية، وبين التطور المادي وبناء الإنسان، وغياب دور المجتمع والدولة. إننا للأسف على مستوى الحصيلة والإنجازات والبرامج نقيس التقدم بالأرقام والمؤشرات الاقتصادية وحدها، دون النظر إلى قدرتنا على حماية تماسك مجتمعنا وبناء الإنسان الصالح وقوة دور وتأثير الأسرة.

إن شبابنا بحاجة إلى حماية حقيقية في البيت والمدرسة والفضاء الرقمي، مع ضرورة وجود سياسات تساعد الأسرة والمرأة على أداء أدوارهم في بيئة قانونية تدعم الاستقرار.

إن الدولة مطالبة بوضع سياسات متوازنة: لحماية الأطفال والمراهقين من المحتوى الضار، وتنظيم البيئة الرقمية، وتعزيز التربية في المدرسة ، ودعم الإعلام والمحتويات الجادة التي تناقش القضايا الوطنية برؤية عميقة وإصلاحية وطويلة المدى.

إن هذه ليست دعوة لمصادرة الحريات أو تقييد عشوائي لحياة الأفراد، بل لتحقيق توازن مسؤول بين الحرية والحماية، وبين الحق في التعبير وواجب عدم الإضرار بالمجتمع ، وبين التطور التكنولوجي والحفاظ على القيم وعلى خصوصية المجتمع ودوره الرقابي على أفراده .

إن بلدنا بحاجة إلى نقاش جاد وإجراءات مدروسة تحمي الأسرة والمجتمع وتجعل بناء الانسان المتوازن الملتزم بقيمه ومفيد لمحيطه هي غاية تنمية البلد.

الإعلامي والمحلل السياسي محمد محمود ولد بكار