ما بعد 2029: النقاش الحقيقي هو نقاش الديمقراطية
المامويا ت الرئاسية، مسؤولية النخب وضرورة تفكير سياسي هادئ ومتزن
بعد أن تناولنا في مقالنا السابق ظاهرة الاستباق المفرط للحديث عن استحقاق 2029، وكيف تم نقل النقاش الوطني من أولويات الحاضر إلى قضايا مستقبلية لم يحن وقتها بعد، أصبح من الضروري توسيع دائرة التفكير نحو مسألة أعمق: ليست مسألة أشخاص أو سيناريوهات محتملة، وإنما مسألة القواعد والمبادئ والثقافة السياسية التي ينبغي أن توجه حياتنا الديمقراطية.
ورغم أن الوقت ما يزال متاحاً قبل هذا الاستحقاق، فإن اهتمام الرأي العام يجب ألا يُصرف عن الأولويات الوطنية الحقيقية: الإصلاحات الضرورية، والتنمية، وتحسين ظروف حياة المواطنين، وتعزيز مؤسسات الدولة.
غير أن هذا الوضع يطرح أيضاً سؤالاً أكثر جوهرية: كيف ينبغي لنا أن نفكر في ديمقراطيتنا، وكيف ننظم نقاشنا السياسي، في الوقت الذي تبدو فيه القضايا الوطنية الكبرى محاصرة مسبقاً بمنطق المعسكرات والمواقف الجاهزة؟
فالسؤال الحقيقي لا يقتصر لا على مسألة المامورية الثالثة ولا على مسألة تحديد عدد العهدات. إنه يتعلق قبل كل شيء بقدرتنا الجماعية على إدارة النقاش السياسي بنضج ومسؤولية.
فالديمقراطيات لا تُبنى فقط عبر النصوص القانونية والمؤسسات، بل تقوم أيضاً على ثقافة الحوار، واحترام القواعد، وقبول الاختلاف، ورفض الانقسامات التي تغذيها العواطف أو المصالح الخاصة.
إن تحويل كل نقاش سياسي إلى مواجهة بين معسكرات متصارعة يضعف الديمقراطية ويُفقِر التفكير الجماعي. فطرح سؤال لا يعني تبني موقف معين، ودراسة فرضية لا تعني السعي إلى فرضها.
إن دور النخب السياسية والفكرية يتمثل تحديداً في طرح الأسئلة الصعبة قبل أن تتحول إلى أزمات.
العهدات الرئاسية: ما وراء المعسكرات، الديمقراطية تتطلب التفكير
أنا لا آتي للدفاع عن عهدة ثالثة، كما أنني لا آتي للدفاع عن تحديدها أو منعها. أنا آتي لطرح أسئلة.
أسئلة يجب أن نتحلى بالشجاعة لمواجهتها بعيداً عن العواطف والمصالح وردود الفعل المرتبطة بالانتماءات.
لماذا يعتبر البعض أن العهدة الثالثة ستكون بالضرورة خطراً، بينما لا يرون المخاطر نفسها في العهدة الثانية؟ أليس الرئيس الذي يمارس عهدة ثانية موجوداً أصلاً في السلطة، بنفس المؤسسات، وبنفس الحضور الإعلامي، وبنفس المزايا المرتبطة بالمنصب؟
إذا كانت المخاطر موجودة، فلماذا تبدأ فقط عند العهدة الثالثة؟ وإذا كانت المزايا موجودة، فلماذا تختفي بمجرد تجاوز حد معين؟
الحقيقة أن كل قاعدة سياسية لها مزاياها وعيوبها. ولا يمكن اختزال أي مسألة مؤسساتية جادة في شعارات أو في مواجهة سطحية بين «الصالحين» و«السيئين».
فالديمقراطية، حتى وإن كانت فتية أو في طور البناء، لا تقوى باليقينيات المفروضة، وإنما بقدرتها على دراسة نتائج كل اختيار وعواقبه.
ومن هذا المنطلق، ينبغي أن يُناقش موضوع العهدات الرئاسية، ليس كمعركة بين مؤيدين ومعارضين، بل كفرصة للتفكير في نوع الديمقراطية التي نريد بناءها.
ديمقراطية تضمن استقرار الدولة، وحرية اختيار الشعب، والتنافس السلمي، واحترام نتائج صناديق الاقتراع.
لكن هناك سؤالاً أكثر إلحاحاً: أي ديمقراطية نريد بناءها إذا كان بعض الفاعلين غير المسؤولين، سواء كانوا متأثرين بتدخلات خارجية أو تحركهم مصالح خاصة، يعلنون انتصارهم قبل التصويت، ويتوعدون بالفوضى إذا لم تأت النتائج وفق رغباتهم؟
فالانتخابات ليست حرباً.
ولا ينبغي أن يتحول الشعب إلى رهينة لدى من يعتبرون العنف أو زعزعة الاستقرار وسائل مقبولة عندما لا تستجيب صناديق الاقتراع لطموحاتهم.
إن مسؤولية النخب كبيرة. وعليها أن تكون قدوة في احترام القواعد، والدفاع عن السلم المدني، وقبول التنافس الديمقراطي، والإقناع بالأفكار بدل التهديد أو المواجهة.
قبل أن نسأل من سيربح الانتخابات، علينا أن نسأل أولاً: في أي حالة نريد أن نترك ديمقراطيتنا؟
وقبل أن نبحث عن انتصار معسكر، علينا أن نبحث عن قوة الوطن وتماسكه.
فالمعركة الأولى قد لا تكون معركة الانتخابات. المعركة الأولى هي معركة إعادة الاعتبار للسياسة.
سياسة نفكر فيها قبل أن ندين.
سياسة نتحاور فيها قبل أن ننقسم.
سياسة نخدم فيها المصلحة العامة قبل المصالح الخاصة.
وأدعو مواطنيّ ونخبنا إلى مطلب بسيط وواضح: أن نفكر بالعقل والضمير، لا بالعواطف والانتماءات أو المصالح الآنية فقط.
محمد ولد محمد الحسن
الرئيس المؤسس لمعهد 2IRES
6 أغسطس 2026




