الخميس
2026/07/30
آخر تحديث
الخميس 30 يوليو 2026

الرق في الإسلام: بين الواقع التاريخي ومقاصد الشريعة

منذ 49 دقيقة
الرق في الإسلام: بين الواقع التاريخي ومقاصد الشريعة
الدكتور: محمد الحاج محمود الطالب
طباعة

بين الحين والآخرتتعالى أصوات تتهم العرب والمسلمين بممارسة الرق واستعباد الشعوب، معتمدين في ذلك على بعض الممارسات الاستعبادية التي كانت توجد في بعض الفترات من التاريخ الإسلامي، وبعضهم يذهب أبعد من ذلك ويتهم الإسلام نفسه بتأييد الرق وتشريعه ، مستشهدين ببعض الآيات والآحايث التي يتم تحريفها وقراءتها خارج سياقها من أجل ربط العبودية بالإسلام وأتباعه.
وقد انضم لتلك الأصوات مؤخرا الرئيس البوركينابي إبراهيم تراوري الذي اتهم العرب والمسلمين باستعباد إفريقيا لمدة ألف سنة. إن هذه الاتهامات المتكررة تستوجب منا الوقوف عندها والبحث بكل موضوعية عن علاقة الإسلام كدين بالرق والعبودية وهل تعاليمه كانت تكرس العبودية وتشرعها أم أنها كانت رائدة في الدعوة إلى حرية الإنسان وتكريمه.
سنسعى في هذا المقال إلى مناقشة ظاهرة العبودية والاسترقاق من المنظور الإسلامي ، انطلاقا من استنطاق النصوص التي ذكر فيها الرق وقراءتها في سياقها التاريخي وفقا للمقاصد الشرعية التي جاء الإسلام لتحقيقها والتي من بينها الحرية كمقصد شرعي وهدف جاء الإسلام لتحقيقه.
تنهض الدراسةُ هنا على مقارنتين مركزيتين؛ الأولى قوامها رصد ظاهرة الاسترقاق وتجذُّر "الاستعباد" بتمظهراته المُتعددة في العديد من الحضارات والدينات والتي شرعته بنصوص دينية أو قوانين وضعية قبل ظهور الإسلام وبعده.
أما الجزء الثاني من المقارنة فهو يرصد دور الإسلام في مكافحة العبودية، رغم أنه لن يتهيّأ لنا استيعابُ آليات الإسلام لمكافحتها- بحكم طابعها المركب، والمتعدد المقاربات- من دون فهم السياق التاريخي للتشريع ومقصد تحقيق الحرية بوصفها استراتيجية تستمد فاعليتها ونتاجاتها الإجرائية من سياسة التدرج في القضاء على ممارسة العبودية، والتي أحدثت تحولاً ملحوظا في القضاء على العبودية في المجتمعات الإسلامية الأولى.
لقد عرفت البشرية الرق في وقت مبكر من تاريخها، فهو قديم قدم الظلم والجشع والاستغلال، وقد مارسته معظم الأمم والشعوب، وكان ركيزة أساسية في البنية الاقتصادية في الحضارات القديمة والحديثة على حد سواء، حيث كان يتم تسخير العبيد والأسرى لبناء الأسوار والحصون وحفر القنوات وزراعة الحقول إلى غير ذلك من الأعمال الشاقة.
ولضمان استمرار هذا الاستغلال وتسخير العبيد لخدمة أسيادهم تم وضع قوانين جائرة لتشريع هذه الممارسة الظالمة ، بدءا بقوانين حموا رابي التي قننت الاستعباد كعقوبة لبعض الجرائم أو لتسديد الديون، مرورا بالحضارتين اليونانية والرومانية اللتين شرعتاه باعتباره حقا للمنتصر في الحروب ، وانتهاء بالإمبراطوريات الغربية في القرون الأخيرة التي ساهمت في انتشارهذه الظاهرة وسنت القوانين لتشريع استعباد الشعوب من جهة ومن جهة أخرى بغية تكريسها وردع كل من يجرؤ من العبيد على معارضة الاستعباد أو الفرار من سيده، ومن أشهر تلك القوانين وأسوئها ما يعرف ب" المرسوم الأسود" الذي أصدره الملك الفرنسي لويس الرابع عشر عام 1685، حيث شرع هذا المرسوم تصنيف العبيد واعتبارهم " منقولات مادية " تباع وتشترى ، بل ذهب أبعد من ذلك حيث قنن عقوبات جسدية في غاية الوحشية والقسوة ، إذ تنص المادة 38 من هذا القانون على أن العبد الهارب لشهر " تقطع أذناه ويكوى بختم زهرة الزمنبق على كتفه، وفي المرة الثانية يقطع وتر ساقه وفي الثالثة يعاقب بالموت" وهذا القانون ظل ساريا في الدولة التي تدعي أن شعارها" الحرية، المساواة، الأخوة" إلى بداية سنة 2026 حيث اضطر مجلس النواب الفرنسي تحت ضغط المنظمات المكافحة للاستعباد إلى البدء في إجراءات إلغائه.
ومن المفارقات المؤلمة أن ممارسة الاستعباد لم تقتصر على الحضارات الغربية فقط، بل مارسته عبر التاريخ بعض الحضارات والممالك والقبائل الإفريقية، بل إن بعض ملوكهم وسلاطينهم لعب دور الوسيط في تجارة الرقيق. وللأسف الشديد مازالت مخلفات الرق موجودة إلى يومنا هذا متمثلة في التراتبية الاجتماعية من خلال التمييز بين طبقة النبلاء وطبقة العبيد، وكذلك عبر الغبن والتهميش في بعض الدول الإفريقية.
أما الديانات القديمة فإن لها مواقف مختلفة من الرق، على سبيل المثال نجد أن اليهودية شرعته بكل وضوح حيث يُصرح سفر اللاويين (الإصحاح 25: الآيات 44 - 46) بأنه يمكن لبني إسرائيل اتخاذ عبيد وإماء من الشعوب الوثنية المحيطة بهم (مثل الكنعانيين وغيرهم ). وفي سفر التثنية الإصحاح العشرون " إذا دنوت من مدينة لتقاتلها فادعها أولا إلى الصلح فإن أجابتك إلى الصلح وفتحت لك فكل الشعب الذي يوجد فيها يؤدي لك الجزية ويستعبد لك..."
أما المسيحية فإنها في البداية لم تدع إلى الاستعباد صراحة ولم تحرمه وبالتالي لم تسع إلى تحريمه أو الحد منه، لكن موقفها سيتغير لاحقا في عهد البابا نيكولاس الخامس الذي أصدر مرسوم "رومانوس بونتيفكس" (Romanus Pontifex ) في 8 يناير 1455 حيث شرع لمملكة البرتغال استعمار واستعباد الشعوب ، وقد سار على نهجه معظم البابوات الذين جاؤوا بعده مثل : البابا كاليستوس الثالث، والبابا سيكستوس الرابع، والبابا ليون العاشر كلهم أيدوا استعباد الأفارقة وتجارة الرقيق، وقد استخدموا لتبرير تلك المراسيم والتشريعات بعض النصوص من الكتاب المقدس مثل القصة التي وردت في سفر التكوين الإصحاح التاسع:(( ملعون كنعان ! عبد العبيد يكون لإخوته)) معتبرين أن هذه اللعنة تبرر استعباد الأفارقة أحفاد حام بن نوح! بل رأى بعض البابوات أن استعبادهم فيه تحقيق للإرادة الإلهية.
ومن المفارقات التي تؤكد هذه القناعة لدى بعض المسيحيين الأوربيين هو أن أول سفينة استخدمت في القرن السادس عشر لاختطاف ونقل العبيد من إفريقيا إلى الأمريكتين كانت تحمل اسم " سفينة يسوع".
أما الإسلام فقد وجد العبودية منشرة في الجزيرة العربية وفي كل الحضارات والأمم، وبالتالي كانت واقعا لا يمكن إنكاره أو تغييره بجرة قلم، لذلك لم يحرمها لكنه لم يدع إليها ولم يرغب في ممارستها، والدليل على ذلك أنه لا يوجد نص من القرآن أو السنة يحث المسلمين أو يدعوهم إلى استعباد الناس أو يرغبهم في ذلك، بل العكس هو الصحيح، حيث رغب في العتق وتحرير الرقاب والمساواة بين البشر، ولعل هذا هو السبب الذي جعل العبيد من أوائل المنضمين للإسلام، لأنه يدعو إلى تكريم الإنسان قال تعالى: " وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ" وهذا التكريم تكريم لبني آدم كلهم دون استثناء، ولتجسيد هذا المبدأ على أرض الواقع قام الرسول محمد صلى الله عليه وسلم بعتق كل عبيده، وتبعه أبو بكر الصديق رضي الله عنه فكان يشتري العبيد ويعتقهم لوجه الله، وقد أثارت هذه الخطوات حفيظة الإقطاعيين والتجار من كفار قريش ، فحاربوا الدين الإسلامي لأنهم لم يكونوا مستعدين لقبول المساواة مع العبيد، كما أن التشجيع على عتق العبيد حرمهم من المزايا الاقتصادية التي كانوا يتمتعون بها ألا وهي استغلال العبيد دون مقابل مادي.
ومن ثم فالحديث عن موقف الإسلام من تحرير العبيد يستدعي منا أولا استيعاب مفهوم التدرج كمقاربة فعالة في معالجته للعبودية حيث سعى إلى القضاء على أسبابها من خلال وضع تشريعات صارمة تقيد الاستعباد وتجفف منابعه. وبالتزامن مع ذلك وسع أبواب العتق عن طريق ربط تحريرالرقاب بالكفارات، حيث جعل تحرير الرقاب وسيلة للكفارة عن مجموعة كبيرة من الأخطاء، مثل: كفارة القتل بالخطأ، كفارة اليمين، وكفار الجماع في رمضان، وكفار الظهار....) ثم فتح بابا آخر للعتق ألا وهو باب الترغيب، حيث جعل تحرير الرقاب من أجلِّ القربات التي يتقرب بها العبد إلى الله عز وجل، وسببا من أسباب النجاة من النار، وذلك لتأمين التفاعل الإيجابي مع الدعوة إلى عتق الرقاب.
وعلى الرغم من تعدد الطرائق التي يمكن من خلالها القضاء على الرق فإن المكاتبة كانت أحد العناصر الحاسمة في هذا المضمار، حيث شكلت مرجعية وقاعدة عامة كفيلة بالقضاء على الرق نهائياً ولم يعد بالإمكان أن يبقى في الرق بعد تشريع المكاتبة إلا من أحب ذلك، حيث تقتضى المكاتبة إلزام السيد بعتق عبده بمقابل مالي، قال تعالى : وَٱلَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُمْ مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِيۤ آتَاكُمْ } [33 النور] ولكيلا يكون العجز المالي سببا في حرمان العبيد من الحرية، فقد كلف الإسلام الدولة بدفع المبالغ المطلوبة مقابل الحرية، وجعل المساهمة في عتق الرقاب من المصاريف التي تصرف فيها الزكاة.
وبعد أن وضع أسسا لعتق العبيد أصبح الالتفات إلى محور دمجهم في المجتمع وتذليل الصعوبات التي تكتنف عملية الدمج هي أولوية الأولويات ، فالحرية بدون حقوق مدنية ومساواة مع الآخرين في الحقوق والواجبات لاقيمة لها، وما حدث للأفارقة في أمريكا خير مثال على ذلك، حيث ألغي الرق في منتصف القرن التاسع عشر لكنهم لم يحصلوا على حقوقهم المدنية إلا في منتصف القرن العشرين، لذلك حرص الإسلام على ألا يتأثر العبيد بعد عتقهم من العنصرية والتمييز ضدهم، فأعلن مبدأ المساواة الإنسانية وجعل معيار التفاضل بين البشر هو التقوى والعمل الصالح وليس النسب والحسب أو العرق أو اللون. قال تعالى" يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}
وبناء عليه حرم الاسلام استخدام العبارات العنصرية التي تنقص من قيمة الإنسان، مثل مناداته بالعبد، أو الأمة لأن في ذلك إهانة لهم، وتم استبدالها بعبارات راقية تدل على الاحترام والتقدير، فبدلا من عبارة العبد أو الأمة دعا إلى استخدام الفتى والفتاة، والمولى. يقول الرسول صلى الله عليه وسلم «لا يَقُولَنَّ أحَدُكُم: عَبْدي وأَمَتي».
لقد شجعت تعاليم الإسلام على الاندماج الاجتماعي واعتبار الدين هو المعيار في الزواج وليس النسب قال تعالى: وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا ۚ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ." هذه هي القاعدة التي أرسى الإسلام ألا وهي: زوجوا العبد المؤمن ولا تزوجوا العربي المشرك، الكافر" لذلك تزوج بعض الموالي من أشرف بنات العرب مثل زواج زيد بن حارثة مع ابنة عمة الرسول صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش رضي الله عنهما، وتزوج بلال الحبشي مع أخت عبد الرحمن بن عوف من بني زهرة أخوال الرسول صلى الله عليه وسلم.
وبما أن التعليم من أهم الحقوق الفردية ومن أفضل الوسائل للاندماج والحصول على مكانة مرموقة في المجتمع ؛ فقد حرص الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدون على توفير التعليم للموالي فصار منهم كبار الأئمة في القرآن والفقه والحديث نذكر منهم على سبيل المثال : الحسن البصري ، عكرمة، ونافع ، ومحمد بن سيرين، وعطاء ابن أبي رباح، وسعيد بن جبير...إلخ
أما على مستوى الحقوق المدنية والسياسية فقد صرح الإسلام أن الناس سواسية كأسنان المشط وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم : "لا فضلَ لعربيٍّ على عجميٍّ ، ولا لعجميٍّ على عربيٍّ ، ولا لأبيضَ على أسودَ ، ولا لأسودَ على أبيضَ - : إلَّا بالتَّقوَى ، النَّاسُ من آدمَ ، وآدمُ من ترابٍ" وبناء عليه صار بإمكان العبيد كغيرهم أن يتولوا أعلى المناصب في الدولة بما في ذلك إمارة المسلمين، وقد هيأ الرسول صلى الله عليه وسلم العرب لتقبل هذه الحقيقة، حيث دعاهم إلى السمع والطاعة وإن تأمر عليهم عبد حبشي...، ولتجسيد هذه الحقيقة على أرض الواقع عين النبي صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد ( وهو مولى ) أميرا على آخر جيش شكله النبي صلى الله عليه وسلم وكان تحت إمرته في هذا الجيش: أبوبكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم جميعا، وهم أفضل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
وبناءعلى ذلك كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ينوي أن يعين أحد الموالي خليفة للمسلمين بعده، حيث قال " لو كان سالم مولى أبي حذيفة حيا ما تركت الخلافة شورى"، أي أنه كان سيعينه مباشرة خليفة للمسلمين. والتاريخ الإسلامي يثبت لنا أن الحضارة الوحيدة في التاريخ التي كان بعض حكامها من العبيد هي الحضارة الإسلامية، فمثلا حكم كافور الإخشيدي مصر وأجزاء واسعة من بلاد الشام وجنوب سوريا بما في ذلك دمشق عاصمة الخلافة الأموية لمدة 23 سنة. ولاحقا حكم المماليك مصر وبلاد الشام ( وهم عبيد) لمدة 267 سنة.
الإسلام واستعباد الأفارقة:
عندما فتح المسلمون مصر بوابة إفريقيا، وقبل أن يتوجهوا إلى فتح شمالها وقعت حادثة شهيرة اعتدى فيها ابن الوالي عمرو بن العاص بالضرب على ابن أحد الأقباط المصريين (غير المسلمين) بعد أن فاز عليه في السباق، فاشتكاه إلى خليفة المسلمين عمر رضي الله عنه، فقال عمر للوالي كلمة يجب أن تكتب بماء الذهب: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا". ثم أمر ابن المصري أن يضرب ابن الوالي. كان لهذه الحادثة صدى كبير جعلت بعض الشعوب الإفريقية تدخل في الإسلام عن قناعة وبدون مقاومة لما رأوه من عدل المسلمين وأخلاقهم الطيبة.
وأكبر دليل على ذلك هو أن الإسلام لم يدخل غرب إفريقيا عن طريق الغزو والجهاد، وإنما دخل تدريجيا بدءا من القرن التاسع الميلادي (الثالث الهجري) عن طريق القوافل والتجار والدعاة المسلمين، فأثروا في الشعوب الإفريقية بأخلاقهم ومعاملاتهم ففتحوا لهم قلوبهم ودخلوا في دين الله أفواجا.
بفضل الإسلام تمت إقامة مؤسسات علمية ساهمت في نشر المعرفة، وما تزال المكتبات والمؤسسات العلمية في بعض الدول الإفريقية شاهدة على الدور الإيجابي للإسلام في نشر المعرفة في العديد من الحواضر، مثل تمبكتو و غاو و سوكوتو. والتي غدت منارات للعلم يقصدها الطلاب من الآفاق، ويتخرج من جامعاتها القضاة والفقهاء والأطباء والمهندسون.
علاقة العرب والمسلمين باستعباد الأفارقة:
إن من الحقائق المسلم بها أن العرب قبل الإسلام كانوا يستجلبون العبيد من إفريقيا، خاصة من الحبشة وضواحيها، لكن الأعداد كانت قليلة جدا، ثم تطورت في زمن الدولة الأموية وقد بلغت أوجها خلال الفترة العباسية مدفوعة بالتوسع الجغرافي والازدهار المالي الذي شهدته الخلافة، وكان التبادل التجاري يتم عبر الصحراء الكبرى وتارة في السفن عبر المحيط الهندي، وكان يشارك في استجلاب الرقيق للدولة العباسية بعض السلاطين والملوك والسماسرة المحليين بالإضافة إلى بعض التجار من العرب والبربر وبعض التجار اليهود.
وهنا تجدر الإشارة أن الدولة التي تمثل الإسلام هي الدولة التي بدأت في عصر النبوة وتشمل فترة الخلفاء الراشدين الأربعة أبوبكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي، رضي الله عنهم جميعا، فقط، والدليل على ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال" «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي» أما ما جاء بعد ذلك من حكام وأمراء الدولة الأموية والعباسية والعثمانية وغيرهم، فإن تصرفاتهم ليست حجة دينية تبنى عليها القواعد الشرعية وإنما تعرض على الكتاب والسنة فإذا وافقته قبلت وإذا لم توافقه ترفض، وبالتالي فإن تصرفاتهم لا تعتبر تشريعا يمثل الإسلام. وكذلك الحال بالنسبة للفقهاء والعلماء فإن آراءهم لا تمثل الإسلام وإنما هي اجتهادات شخصية قابلة للصواب والخطأ وليست ملزمة من الناحية الدينية. وبالتالي فالفتاوى التي صدرت من بعض الفقهاء في مسألة بيع وشراء العبيد وبعضهم توسع في ذلك جهلا بالمقاصد الشرعية للدين الإسلامي والتي من أهما عتق الرقاب، وهنالك سبب آخر ألا وهو غياب القراءة النقدية عند بعض فقهاء الفروع الذين يكتفون بإعادة نفس الفتاوى السابقة دون أن يخضعوها للقراءة النقدية عبر عرضها على الكتاب والسنة.
نستنتج مما تقدم أن استجلاب العبيد خاصة من إفريقيا لم يكن مرتبطا بالإسلام كدين بأي حال من الأحوال، كما يحاول البعض أن يروج له، وإنما كان مرتبطا ببعض التجار العرب والبربر والملوك والسماسرة الأفارقة الذين يستجلبون العبيد من إفريقيا ليبيعوهم في بعض الدول المسلمة مثل الدولة الأموية والعباسية.، فهذه دول مسلمة لكنها لا تمثل التشريع في الإسلام.
وبالتالي لا يمكن أن تقارن التجارة التي مارسها بعض المسلمين خلال الفترات المذكورة بتجارة العبيد العابرة للمحيط الأطلسي، التي نقل فيها ملايين الأفارقة ومات في الطريق ملايين الأرواح، بإشراف مباشر من الكنيسة والملوك الأوربيين وبالتالي فإن من الإجحاف وعدم الإنصاف محاولة المقارنة بينها مع ما فعله بعض تجار النخاسة من المسلمين واستعمالها كوسيلة لتحريف التاريخ أو إعادة كتابته من أجل التخفيف من المسؤولية التاريخية والأخلاقية للأوروبيين، عبر تزييف التاريخ وإعادة صياغة الذاكرة الإفريقية.
ومن الغريب أن الأوروبيين مازالوا يرفضون إدانة جريمة تجارة العبيد حتى اليوم، حيث امتنعت دول الاتحاد الأوروبي وبريطانيا عن التصويت على قرار الأمم المتحدة التاريخي الذي صاغته غانا في مارس 2026 والذي يدين تجارة الرقيق عبر الأطلسي ويصنفها كأفظع جريمة ضد الإنسانية. ومن المفارقات أن كل الدول العربية صوتت لصالح القرار بينما صوتت ضده كل من أمريكا وإسرائيل والأرجنتين. كان الأولى بالرئيس إبراهيم اتراوري وغيره من النخب الإفريقية إدانة رفض الدول الأوروبية بدلا من اتهام العرب والمسلمين زورا باستعبادهم.

الدكتور: محمد الحاج محمود الطالب
رئيس مركز رائد للدراسات الاستراتيجية والتنمية