القرآن وسؤال المعنى: من أزمة الإلحاد المعاصر إلى برهان الوحي (الحلقة: 12)
حقيقة الروح بين الوحي والتصورات الدينية
يتضح مما سبق أن اليهود كانوا يدركون أن الروح من الأمور الغيبية التي لا تُدرك حقيقتها إدراكًا كاملاً، ويتجلى ذلك في سؤالهم النبي صلى الله عليه وسلم عنها بقصد اختبار نبوته، فجاء الرد القرآني حاسمًا في بيان حدود المعرفة الإنسانية، قال تعالى:
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء: 85].
مؤكدًا أن حقيقتها من علم الله الذي استأثر به، وأن الإنسان لم يُؤتَ من العلم إلا قليلاً.
أما في المسيحية، فقد أقرّ مجمع القسطنطينية أن الروح القدس هو روح الله ذاته، غير أن نصوص الكتاب المقدس تُظهر تنوعًا في استعمال لفظ “الروح”، حيث استُخدم للدلالة على معانٍ متعددة، كالهداية والضلال، والصفات النفسية، بل وحتى معانٍ مجازية كـ”الطعام الروحي”. كما أن العبرانيين درجوا على نسبة ما يُراد تعظيمه إلى الله، فكان وصف “من الله” دالًا على الصلاح، و”ليس من الله” دالًا على الضلال.
وقد اختلفت التصورات المسيحية حول طبيعة الروح ومنشئها؛ فمنهم من يرى أنها جوهر مستقل يتحكم في الجسد، ومنهم من يعتقد بوجودها قبل الولادة، أو أنها متولدة عن الوالدين، بينما يرى آخرون أنها تبقى في حالة انتظار إلى يوم الحساب. ومن ثم ظل مفهوم الروح غامضًا ومحل اختلاف بين الديانات، مع اتفاق عام على أن حقيقته الكاملة من الأمور الغيبية.(31)
الروح في الإسلام
تُعد مسألة الروح في الإسلام من القضايا الغيبية التي لا يُتناول فيها إلا بما ورد في الكتاب والسنة(32)، إذ إن الوحي هو المصدر الوحيد لمعرفة ما لا تدركه الحواس ولا يصل إليه العقل المجرد. وبما أن الروح من مخلوقات الله، فإن حقيقتها تبقى مما استأثر الله بعلمه، قال تعالى:
﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾.[الملك: 14].
وقد قرر علماء أهل السنة، ومنهم ابن تيمية، أن روح الإنسان مخلوقة مبدعة، مستدلين بقوله تعالى:
﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾، [الزمر: 62].
وهو نص عام يشمل جميع المخلوقات، ومنها الروح، فهي ليست صفة من صفات الله، بل مخلوق من مخلوقاته.
كما ميّز ابن القيم بين “النفس” و”الروح”، فالنفس تُطلق في القرآن على معانٍ متعددة؛ فقد تدل على الذات الإنسانية كاملة، كما في قوله تعالى:
﴿وَكُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ [المدثر: 38] وقد تُطلق على الروح وحدها، كما في قوله: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾.[الفجر:27].
أما لفظ “الروح” في القرآن، فقد استُعمل في دلالات متعددة، منها:
الروح بمعنى الوحي والقرآن: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾[الشورى: 52].
الروح بمعنى جبريل عليه السلام: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء: 193].
الروح بمعنى التأييد والنصر: ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾[المجادلة: 22]
الروح بمعنى الرحمة والفرج: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ [يوسف: 87]
الروح وصفًا للمسيح عليه السلام: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾[النساء: 171]
وهذا التعدد في الاستعمال يدل على سعة الدلالة اللغوية والشرعية لهذا المصطلح.
دلالة “روح منه” في القرآن
يقرر القرآن الكريم أن عيسى عليه السلام “روح منه”، ولا يُراد بذلك أنه جزء من ذات الله، وإنما المقصود أنه روح مخلوقة مشرفة، أضيفت إلى الله إضافة تكريم وتعظيم.
والقرءان لم يقتصر على إضافة المسيح عليه السلام إلى الله بل أضاف إضافات إليه تعالى وكلها إضافات تشريف مثل:
1_ روح آدم عليه السلام: وذالك في قوله للملائكة وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ ● فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ [البقرة 28_29].
2_ـ الناقة معجزة صالح عليه السلام إلى قومه ثمود، وذلك في قوله تعالى:
﴿ كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا ● إِذِ انبَعَثَ أَشْقَاهَا ● فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا.[ سورةالشمس؛ 11_31].
3_ بيت الله الحرام: وذلك في قوله تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة:125].
4_ عبد الله وذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [ سورة الجن: 19].
5_ والخطأ يظهر من إضافة كلمة روح القدس وروح منه إلى الله واتحادها به فالإضافة هنا إضافة تشريف وليست تبعيض (أي جزءا منه) كما يقال عند العرب: ناقة الله وبيت الله...الخ.(33)
فروح الله إذا: هي روح من الأرواح التي خلقها الله كما أسلفنا، وأضيفت إليه تعالى لقصد التشريف. وبهذا تكون إضافة الروح إلى الله إضافة أعيان منفصلة عن الله، فهي إضافة مخلوق إلى خالقه، ومصنوع إلى صانعه هذا أولا..
ثانيا: الايمان بالله في عقيدة اليهود والنصارى.
من خلال الآيات السابقة فإننا نجد القرآن يقرر بشأن المسيح عليه السلام بأنه (روح منه) فالمراد بذلك أن المسيح روح عالية قدسية خيرية علوية، وليس هو من الأرواح الشيطانية النحسية الأرضية الشريرة..
روح منه تعني أيضا تبرئة المسيح مما ألصق به أعداؤه بأنه روح شيطانية أو شريرة أو مختل العقل بل روح خيرية علوية قدسية (34).
فالإتيان بكلمة (منه) بعد كلمة الروح إنما هو للإلماع بهذا المعنى اللطيف، وردا على اليهود الذين كانوا يلقبونه (بعلزبول)، أي الشيطان.
فقد ورد في إنجيل مرقص في الإصحاح الثالث، عدد27 عن الكتبة في وصفهم للمسيح:
(وأما الكتبة الذين نزلوا من أورشليم فقالوا إن معه بعلزبول، وأنه برئيس الشياطين يخرج الشياطين).وإنجيل مرقص هذا ورد فيه أيضا في الإصحاح الثالث، عدد 30، عن المسيح عليه السلام: ( أجاب الجميع وقالوا بك الشيطان).
ومن ناحية ثالثة لرد طعن بعض أقرباء السيد المسيح فيه بأنه مختل العقل، فلم يكن اليهود وحدهم، هم الذين رموا المسيح عليه السلام بما رموه به، بل اشترك معهم بعض أقربائه، فقد ورد في إنجيل مرقص، في الإصحاح الثالث، عدد 21، أن أقرباء المسيح (خرجوا ليمسكوه لأنهم قالوا إنه مختل العقل).(35).
واختلال العقل كان معروفا في ذلك العصر وشائعا عند اليهود، وسكان إقليم فلسطين بأنه اثر من آثار الأرواح النجسة، وشاع هذا الطعن وراجت سوقه بين أعداء المسيح، وتلقاه خلفهم عن سلفهم جيل بعد جيل حتى عصر النبي صلى الله عليه وسلم ونزول الآية السابقة "وروح منه" والنص القرآني الذي عبر عن المسيح عليه السلام بأنه (روح منه) هو قوله تعالى: ﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ۚ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۖ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ ۚ انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ ۚ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ ۘ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا [ النساء:171]
ومن هذا يتضح أن ما ذكره القرآن الكريم عن المسيح عليه السلام بتعبير: "وروح منه" تعني أنه روح خيرية مطيعة لله، لا أن تكون جزء منه تعالى، وإلا للزم أن يكون مقتضى ذلك وحسب الكتاب المقدس أن جميع الأنبياء السابقين والمرسلين (الذين هم أرواح من الله) أن يكونوا أرواح من الله بحكم قول يوحنا في رسالته الأولى بالإصحاح الرابع عدد1 وللزم أيضا أن يكون جميع المؤمنين الذي عناهم يوحنا أجزاء من الله بحكم قول يوحنا في رسالته الأولى بالإصحاح الرابع عدد:6.
وكذلك لزم أن يكون إبراهيم جزءا من الله بحكم قول بني حث في سفر التكوين الإصحاح 23، عدد 6.
ومن ثم فإن وصف المسيح بأنه “روح منه” هو ردٌّ على ما نُسب إليه من قبل بعض اليهود من تهم باطلة، كاتهامه بأنه من الشياطين أو مختل العقل، كما ورد في بعض نصوص الأناجيل.
كما أن هذا التعبير يرد كذلك على الغلو في شأن المسيح، ويؤكد بشريته ورسالته. وتبرئته ممانسب اليه عليه السلام.
يتبين من خلال هذا العرض أن مفهوم الروح ظل غامضًا ومحل اختلاف بين الأديان، غير أن القرآن الكريم وضع حدًا لهذا الجدل بإرجاع علم حقيقتها إلى الله تعالى، مع بيان بعض دلالاتها ووظائفها في إطار الوحي.
فالروح في الإسلام مخلوقة من مخلوقات الله، أضيفت إليه إضافة تشريف، وتبقى حقيقتها من الغيب الذي لا يحيط به الإنسان علمًا، وهو ما يلخصه قوله تعالى:
﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾.[الإسراء: 85].
يندرج هذا المبحث ضمن سلسلة “القرآن والمعنى” التي تُعنى بإعادة بناء الأسئلة العقدية في ضوء التوجيه القرآني، لا من حيث تقديم أجوبة تفصيلية للغيب، بل من حيث ضبط أفق السؤال الإنساني وتحديد حدوده المعرفية.
ويُعدّ سؤال الروح نموذجًا مركزيًا في هذا السياق.ويؤكد هذا الطرح المنهج القرآني في توجيه الإنسان من البحث في الكيفيات الغيبية إلى إدراك حدود المعرفة، وهو ما تنبني عليه سلسلة “القرآن والمعنى”.
الايمان بالله في عقيدة الاسلام.....
يتواصل...
ملاحظة: اجعل لنفسك مشروع دعوة: فالدعوة اليوم مسؤولية الجميع، ولكل شخص دوره حسب موقعه وقدرته.
لمرابط ولد لخديم




