الملاحدة الجدد وأزمة المرجعية: من صراع الحضارات إلى سؤال الأخلاق!!(الحلقة: 4)
واقع العقل بين النتاج والحقيقة
إذا كان اختزال الإنسان إلى بعده الاقتصادي يعكس قصورًا في فهم طبيعته، فإن جذور هذا القصور تمتد إلى تصورٍ معين لطبيعة العقل ذاته. فقد انشغل الفكر الإنساني طويلًا بنتاج العقل – من علوم وفنون وفلسفات – دون أن يحسم بصورة يقينية في تحديد واقعه وحدوده وآلياته.
ومن أبرز المحاولات الحديثة في هذا الباب ما قدمته الفلسفة الماركسية، حين طرحت سؤال السبق بين الواقع والفكر: هل الفكر سابق على الواقع أم العكس؟
وقد انتهت إلى أولوية الواقع، معتبرة أن العملية العقلية تقوم على أربعة عناصر:
وجود واقع خارجي،
إحساس عبر الحواس،
دماغ صالح لمعالجة المعطيات،
معلومات سابقة تُفسَّر بها المدركات.
وبهذا التعريف يصبح العقل عملية ربط بين الواقع والمعرفة المخزونة.
غير أن هذا التحليل – رغم جديته – يظل أسير الرؤية المادية ما دام يحصر الإدراك في نطاق الحس والمعلومة السابقة، دون أن يفسر مصدر المعايير والقيم والغائيات التي تتجاوز التجربة الحسية المباشرة.
مأزق الرؤية الكمية وإشكالية المعنى
تكمن الإشكالية العميقة في أن الرؤية الكمية للعقل تجعل التفكير مجرد معالجة معطيات، بينما يتضمن الوعي الإنساني أبعادًا معيارية وغائية لا يمكن ردّها إلى الكم.
فالمعنى ليس معطًى حسيًا، بل أفق تأويلي يضفي على الواقع دلالته.
ومن هنا فإن أي محاولة لفهم الإنسان دون الاعتراف ببعده القيمي والغائي تظل قاصرة.
فالمعنى ليس إضافة خارجية للحياة، بل هو شرط إمكانها الإنساني. وقد أدركت تيارات فلسفية متعددة – من الوجودية إلى النقد الثقافي – أن أزمة الحداثة ليست في وفرة الوسائل، بل في فراغ الغايات.
يبيّن التحليل أن الاختزال الأدائي المادي، رغم قدرته على تفسير بعض أنماط السلوك، يعجز عن استيعاب حقيقة الإنسان بوصفه كائنًا باحثًا عن المعنى.
كما أن تعريف العقل في إطارٍ حسيٍّ صرف لا يكفي لتفسير البعد المعياري والغائي في التفكير.
إن تجاوز هذا المأزق لا يتحقق بتوسيع الرؤية المادية توسيعًا إجرائيًا، بل بمراجعة منطلقها الأنطولوجي ذاته، والاعتراف بأن الإنسان ليس مجرد كائن يحسب، بل كائن يؤول ويقصد ويبحث عن الغاية.
ومن دون هذا الاعتراف سيظل سؤال المعنى معلقًا، وستظل المقاربات الكمية عاجزة عن إدراك جوهر الكينونة الإنسانية.
الرؤية المادية وأزمة فهم العقل....
يتواصل
ملاحظة: اجعل لنفسك مشروع دعوة: فالدعوة اليوم مسؤولية الجميع، ولكل شخص دوره حسب موقعه وقدرته.
لمرابط ولد لخديم




