الجمعة
2026/01/9
آخر تحديث
الجمعة 9 يناير 2026

ما هذا يا فخامة الرئيس!

منذ 11 ساعة
ما هذا يا فخامة الرئيس!
طباعة

علمتُ عبر الإعلام، وبشيء من التأخر، أن فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني طلب من المجتمعين ـ الذين يطالبون، على نحو غير مفهوم، بضمانات وإعلانات حسن نية للمشاركة في الحوار الذي دعا إليه ويمهّد له بانفتاح وأريحية ـ أن يتحدّثوا بالفرنسية وحجب العربية خلال الاجتماع، اختصارًا للوقت وإكرامًا لبعض الحضور، حتى وإن كانوا لا يتجاوزون اثنين من أصل أربعة.

وذلك في وقت يطغى فيه على الرئيس جهدًا واضحًا لإقناع الرأي العام بأن هذا الحوار ليس من أجله، بل من أجل الشعب، وأن الإصلاح السياسي وتسوية الملفات العالقة منذ عقود ظلّ البلد بسببها يواجه تحديات سياسية حقيقية تعيق مساره هو الإنجاز الأهم الذي يمكن أن يُخلَّد به اسمه في تاريخ بلد متعدّد الأعراق والثقافات، غير أن ما حدث يمثّل، في جوهره، تبسيطًا لمسار معقد .

ففي جميع الأحوال، ليس من حق أي مواطن، بما في ذلك الإخوة الزنوج ، أن تغييب لأجلهم اللغة العربية ويفرض الحديث إلى الفرنسية لأجلهم. وحتى خلف الأبواب المغلقة، وفي اجتماع وطني يناقش أخطر قضايا البلد، وبحضرة رئيس الجمهورية، إن الواجب دفعة واحدة يقتضي الالتزام بروح الدستور، لا بنصّه الحرفي فقط. وروح الدستور الموريتاني تُكرّس الهوية الوطنية عبر اعتماد اللغة العربية لغةً رسميةً للبلاد، وهو خيار كلّف الدولة الوطنية توتراتٍ وأزماتٍ جسيمة عبر تاريخها، ما يفرض التعامل معه بصرامة ومسؤولية.

إن الشخصيات التي طُلب التحدّث بالفرنسية إكرامًا لها نشأت في السياسية ، تحمل في سجلّها السياسي مواقف معروفة مناهضة لثوابت هذا البلد، وتقاطع لغته الوطنية عن سبق إصرار. فأحدهم دعم حمل السلاح ضد الدولة، والآخر يمارس السياسة منذ نصف قرن ويرفض التفاهم باللغة العربية. ومجاملة هؤلاء في هذا التوقيت، وطلب الجميع التخاطب بلغة أجنبية من أجلهم، يمكن تأويله ـ ضمن الفهم الخاطئ ـ على نحو سياسي بالغ الخطورة، وقد يُنتج صورة مغايرة تمامًا لما أراد الرئيس تقديمه.

فالرئيس، بصفته حامي الدستور، ومسؤوليته في ذلك غير قابلة للتجزئة، يقود أغلبية سياسية ساحقة وهو مُلهِمها. قد يُلهم موقفه هذا المتحاورين، عن قصد أو عن غير قصد، بمواقف خاطئة، خصوصًا في حوار يتمحور حول قضايا الهوية واللغة. والمفارقة الخطيرة أن الصراع لم يعد يدور حول حماية حقوق أقلية، بل بات، في جوهره، محاولة لتضييع حقوق الأغلبية باسم التوافق.

إن من الثوابت، وإلى الأبد، أن التاريخ واللغة والهوية ملكٌ لهذا للشعب، ولا يملك غيره حقَّ التنازل عنها، حتى ولو كان رئيسًا. فحدود هذا البلد، ولغته، وهويته، وتاريخه، رسمها شعبٌ قدّم تضحياتٍ جسيمة على مدى أكثر من ألف سنة قبل نشأة الدولة الحديثة، وهي بالتالي أمور محصّنة بالتاريخ وبالواقع، ويجب على كل من يريد العيش على هذه الأرض أن يُسلّم بذلك. ولن يكون التعنت وراء لغة انفتاح ثانوية تسير بخطى حثيثة نحنو الانكماش محفزا في موريتانيا للحصول على تنازلات على سياسية حساب الثوابت .

الإعلامي والمحلل السياسي محمد محمود ولد بكار