الثلاثاء
2024/05/21
آخر تحديث
الثلاثاء 21 مايو 2024

المطالب الأربعين للمأمورية الثانية لفخامة رئيس الجمهورية (الحلقة الثالثة)

18 أبريل 2024 الساعة 13 و36 دقيقة
المطالب الأربعين للمأمورية الثانية لفخامة رئيس الجمهورية (…)
الحسين بن محنض
طباعة

المطلب السابع ((موريتانيا للمواطنين وليست للتجار)) مع مطلع التسعينات اكتشف التجار ورجال الأعمال (أو بعضهم حتى لا أعمم) أنه بإمكانهم التأثير على الوزارء وقراراتهم مقابل هدايا وأعطيات مختلفة (سيارات، منازل، أسفار في الخارج، إكراميات للزوجات والأبناء...إلخ)، وتطور الأمر بسرعة حتى أصبحت هناك شراكات غير معلنة بين كل وزير وتاجر معين، ثم تطور بعد ذلك حتى أصبحت السياسات والخطط الاقتصادية للدولة تفصل في المقام الأول لخدمة هؤلاء التجار، إلى أن وصلنا إلى ما وصلنا إليه اليوم.
وكل رئيس وصل إلى الحكم يفوته كل هذا أو يصور له المسؤولون المرتبطون بالتجار بأن التجار هم الرئة التي تتنفس بها البلاد، وأن التعاون معهم والاستجابة لمطالبهم ضروري للتنمية، مع أنهم في الواقع هم السرطان الذي ينهش جسد الدولة والشعب بلا رحمة..
كل المليارات التي خصصت لدعم وتطوير قطاع الصيد على مدى الثلاثين سنة الماضية (أقدر أنها زادت على 100 مليار) استنزفوها دون أي مردودية على البلد والشعب، فاليوم لا يوجد قطاع صيد بالمعنى الحقيقي للكلمة، والسمك الموريتاني لم يعد معروضا منه في الغالب في السوق إلا ما رفض الأوروبيون والأفارقة إدخاله إلى بلدانهم بسبب التعفن أو المرض، ومع ذلك فإننا نجد السمك الموريتاني الجيد أرخص في إسبانيا والسينغال من هذا السمك المعروض في موريتانيا، والسبب طبعا عدم ترك ولو حصة بسيطة من السمك المصطاد للسوق الوطنية كما تفعل المغرب وغيرها من الدول، فجاع الشعب ليربح التجار...
وكل المليارات التي صرفتها الدولة على القطاع الزراعي (زادت على 200 مليار) استنزفها التجار أيضا دون أي مردودية تذكر، زراعة الخضروات فاشلة بسبب غياب البنى التحتية الزراعية: الطرق، الكهرباء، المبردات، المخازن المكيفة، وما ينتج منها تفوق أسعاره بعدة أضعاف خضروات المغرب، فلم يبق للتجار من حل إلا إقناع الدولة بفرض ضرائب باهظة على خضروات المغرب كي يبيعوا هم خضرواتهم بأثمان لا يطيقها المواطن..
ونفس الشيء واقع مع الأرز الذي يمكن استيراده وبيعه بأقل من 200 أوقية للكيلو ومع ذلك ضاعفت الدولة عليه الضرائب لحماية الأرز الموريتاني باهظ التكلفة..
طبعا كل دول العالم تسعى إلى دعم زراعاتها الوطنية، لكن عن طريق تمويل المزارعين من الاقتصاد الريعي للدولة وليس عن طريق تسليط الضرائب على المنافسين بدون ضوابط لأن المواطن في هذه الحالة هو الضحية الوحيد، حتى الدول التي تفرض الضرائب على المنتوجات المستوردة تشترط مع ذلك على منتجيها الوطنيين في المنتوجات المحلية ضمان قدرة المنتج على منافسة المنتج الخارجي في شيئين الجودة والسعر، وإلا أصبح دعم الدولة لها من العبث، وكلا هذين الأمرين مفقود حتى الآن في الأرز والخضروات الموريتانية.. فلماذا الاستمرار في تجويع 4 ملايين ليربح بضع مئات من التجار..؟
نحن لسنا ضد دعم الزراعة الوطنية الجادة لكن من مداخيل الدولة الريعية وليس من الضرائب التي سيدفعها المواطن الفقير في النهاية..
ونفس الشيء مطبق على الألبان التي لولا الضرائب لكان من الممكن استيرادها وبيعها بحدود 150 أوقية أو أكثر قليلا لعلبة نصف لتر بدلا من 300 التي تباع بها الآن، علما أن البقر الموريتاني مصنف على أنه بقر لاحم وليس بقر لبن، فتحتاج صناعة اللبن في البلاد أولا إلى تهجين واسع للأبقار على غرار ما قامت به مالي والسينغال حتى تكون لها مردودية غير المردودية المصطنعة التي يربحها التجار الذين يصنعون الألبان الآن بواسطة فرض الضرائب على المواطن الضعيف، ولو أوقفت هذه الضرائب لخسروا جميعا فهم في الواقع يربحون من الضرائب لا من صناعتهم ولا من زراعتهم.
ونفسه أيضا بالنسبة للدجاج المستورد، فهل يعقل أن تفرض الدولة ضريبة 5 ملايين أوقية على حاوية دجاج الخارج (ضريبة لا تفرض حتى على الكماليات) بدلا من 500 الف كي يربح التاجر ويجوع المواطن، مع أن الدجاج عندما جاء لأول مرة استبشر الفقراء خيرا فقد كانت 200 أوقية من الدجاج كفيلة بتأمين وجبة لائقة، غير أن تجار الدجاج المحلي (الذي هو عبارة عن خليط من المواد الكيميائية والمضادات الحيوية) الغير قادر على المنافسة لا سعرا ولا جودة فرضوا مثل هذه الضريبة الباهظة عن طريق الحكومة كي يستفيدوا هم على حساب الفقراء...
وهكذا فالقائمة طويلة وليست المعكرونة التي ضاعفت الدولة عليها الضرائب خوفا من دخولها من الجزائر كي يربح مصنعوها بطريقة لا تنافس لا جودة ولا سعرا من التجار إلا مثالا على ذلك، وكذلك أنابيب ابلاستيك البناء، وهكذا الاسمنت الذي يمثل فضيحة وطنية عمرها أكثر من ثلاثين سنة ليس إلا أحد تجلياتها.. وقد آن اليوم لكل هذا أن يتوقف...
على الدولة أن ترفع يدها عن الاستيراد وتلغي الضرائب عن المواد الأساسية لحياة المواطن الفقير الذي يمثل الأغلبية كي يتسنى له العيش بكرامة في بلده، فالحياة في هذا البلد أصبحت غالية بشكل يهدد الاستقرار، ومن شاء بعد ذلك أن يزرع أو يصنع من التجار فليفعل إذا كان قادرا على منافسة المنتوج الخارجي، ولا مانع من أن تقوم الدولة بدعم زراعات أو صناعات وطنية معينة كما تفعل كل دول العالم، لكن بشرط ألا يكون ذلك جالبا للضرر لغالبية الشعب، وألا يكون من الضريبة المنتزعة بالقوة العمومية من المواطن، بل من مداخيل الدولة الريعية حتى يظل هناك توازن، فما يجري الآن منذ عقود تجويع لشعب كامل تحت ذريعة دعم منتجات وطنية لا تنافس، وأغلبها ضار لا يمكن بيعه خارج موريتانيا، وهذا غير معقول وغير اقتصادي، ولن يؤدي إلى تقدم البلد في أي مجال من هذه المجالات...
يتواصل

الحسين بن محنض