الثلاثاء
2024/05/21
آخر تحديث
الثلاثاء 21 مايو 2024

كتاب: تائه يبحث؟! (الحلقة: 7)

20 مارس 2024 الساعة 15 و06 دقيقة
كتاب: تائه يبحث؟! (الحلقة: 7)
لمرابط ولد لخديم
طباعة

ولكون هذا المجتمع لا يعمل, لقوله مالا يفعل, فانه يعيش حالة من الانفصام بينه وبيئته لذا نراه يهرب من التفكير بانغماسه في الملذات إلى درجة تكييفه للعادات الوافدة مع عقله الجمعي. وهذا يسلمنا إلى معادلة جديدة أحد طرفيها البطن والفرج والطرف الآخر القلب والعقل وتكون المعادلة على الشكل التالي:
العقل+القلب = البطن+الفرج.
وعليه يتحدد تعقلنا للأشياء حسب تفعيل طرفي المعادلة بالنسبة للطرف الآخر. وتفسير ذالك أن الإنسان فيه غرائز دنيا تشده إلى تحت؟
وخصائص كريمة تدفعه إلى فوق؟ فإذا كانت هذه الخصائص أشد قوة ذهبت بالإنسان صعدا إلى آفاق الحق والخير والجمال. وإذا كانت مساوية لغريمتها ذهب السالب في الموجب وبقى المرء موضعه. وإذا كانت أضعف منها أخلد إلى الأرض واتبع هواه، فلم تراه إلى مبطلا شريرا دميم الروح. والذي أقصده أن تحصيل الكمال تحتاج إلى معاناة علمية وخلقية...فالكريم لن يكون كريما إلا إذا قهر نوازع الشح. والشجاع لا يكون شجاعا، إلا إذا هزم بواعث الخوف...
إن هذه الصفات تتجسد في أقوالنا وأفعالنا شبابا وشيبا، حكاما ومحكومين، مثقفين وأميين، والسبب عندي الذي جعل كل الدراسات الاجتماعية التي أجريت على مجتمعنا باءت بالفشل هو أنها أغفلت أو تناست هذه القضايا السابقة.
نحن هنا إذ نورد هذه القضايا إنما نبحث عن العلة الكامنة في الذات، فإن نحن نجحنا في معالجتها فإن المشكلة ستزول - تلقائيا- بزوال أسبابها وإن تجاهلناها وعالجنا الظواهر فقط، فستعاودنا بأشكال شتى،كمن يتوجه إلى البعوض بأطنان مبيدات الحشرات، ولا يفطن إلى تجفيف المستنقع الذي يحتضن بيوضها فلا تلبث أن تفقس من جديد، ودليلنا ورائدنا إلى سبر أغوار مجتمعنا هو اجتهاداتنا الشخصية من داخل المجتمع مع مقارنتها بدراسات لمجتمعات أخرى, لنرى مدى مواكبتها للحضارة لإنسانية اليوم.(68)
فهل يبدع فقهاؤنا الحاليين وأخصائيينا الاجتماعيين رؤية إسلامية تستفيد من آخر منجزات المعرفة, وتقف على أرضية شرعية؟!
وضرورة ايجاد هذه الثقافةنابعة من كوننا مازلنا نتمسك بعادات وتقاليد أو جدها العرف أصلا أكثر من تمسكنا بتعاليم ديننا، مع أنها تتنافي مع الحياة الحضارية والدين, ونحن إلى جانب هذا غير مقتنعين بها، لكن الخوف من النقد، والخروج من المألوف، وما تواضع عليه المجتمع، هو الذي يجعلنا نرضخ لها فمثلا: ظاهرة السحوة: وهي كلمة حسانية ملحونة من الحياء، والسحوة عند الموريتانيين هي عادة "التحاشي"
وأقوى مجال تظهر فيه هذه العادة هو العلاقة بين الأزواج الشباب من جهة وبينهم مع أصهارهم الكبار من جهة أخرى.
كما يقول محمد محمود ولد سيدي يحي في "كتابه المجتمع الفضفاض"!!
(وتمتد علاقات "السحوة" هذه لتشمل مجالات أخرى يظهر فيها المجتمع التقليدي قدرته على ضبط العلاقات العاطفية الحميمة بين الزوجين وبينهما مع أطفالهما الصغار أيضا.
فالزوج ينبغي أن لا ينادي زوجته باسمها علنا أمام أبويه وأبويها، وحتى الكبار الآخرين من غير سنه، وهذا الأمر أكثر صرامة في جانب الزوجة، حيث تمنعها التقاليد من مناداة زوجها باسمه الصحيح طيلة حياتها ولذا فإنها تلجأ إلى الكناية عنه بضمير الغائب "هو" أو بإشارة بديلة مثل "ذاك" أو " الراجل".
أما أن يعبر الأبوان عن عواطفهما الأبوية بمداعبة أطفالهما أمام الآباء فذلك محظور ويعتبر من الوقاحة بمكان.
لكن العادات العربية الصميمة والتقاليد الإسلامية التي فصلها الفقهاء في المشرق لا تشير إلى لزوم شيء مما ألزم به الموريتانيون أنفسهم.
بل إن معظم سلوك العرب المسلمين هو عكس ذلك، حيث لا حرج في أن تتكلم المرأة مع خطيبها أو زوجها أمام أبويها، ولهما الحق في مداعبة أطفالهما أمام الجميع، كما لا معرة في أن يأكل الرجل عند أصهاره أو يمازحهم.
فالحياء الشرعي المطلوب: هو حياء أخلاقي يقصد منه عدم الوقاحة والتبجح بفعل المنكر والفاحشة التي لا مبرر لها.ونخشى ونحن نعيش في ظل المدنية اليوم أن يقرها العرف.
ولقد استغرب أحمد بن الأمين الشنقيطي " الموريتاني" أن أهل شنقيط يجعلون الوليمة في الزفاف على ولي المرأة وهو ما يخالف السنة عند ما قارن بين مجتمعه الأصلي والمجتمع الذي أقام فيه "مصر".
وقد لا يختلف كثيرا موقف محمد بن أبى بكر اللمتوني ففي رسالته التي أرسلها إلى العلامة السيوطي نجد استمرارا للوعي الممزق لدى الفقيه الذي يحمل تصورا نموذجيا للمجتمع الإسلامي الأبوي في حين لا يزال المجتمع يورث ابن الأخت كسمة أمومية عنيدة، ومن المعلوم أن الشواهد تؤكد أن المجتمع الصنهاجي ظل يحمل بقايا قرابة أمومية حتى نهاية القرن التاسع الهجري قبل النزوح الحساني الكامل...
ليحدث بعد ذلك انقلاب أبوي كبير في محيط العائلة البيظانية غير أن العامل الأهم الذي ساهم في مسح الرابطة الحقوقية الأمومية لن يكون مجرد الهيمنة الحسانية على المجال وإنما أيضا ردة الفعل الدينية القوية التي دافع بها الصنهاجيون "السكان المحليون" في ظل عملية التعريب والتسامي بالدين، تلك التي جعلت المنظومة الفقهية الإسلامية الأبوية تسود إلى حد كبير حسب رأي المؤلف مضيفا أن الإسلام الأبوي المتعمق لم يعرف ثورته الحقيقية إلا بعد المثاقفة الحسانية نسبيا.(69)
ومن الملاحظ اليوم أن أثار تلك العادات ما تزال قائمة عندنا رغم تبدد نظام الأنساب والإرث القديم، فالمرأة المتزوجة تفضل الإقامة عند أهلها سنة كاملة قبل أن ترحل إلى أهل الزوج وهذه العادة ترتبط بتقاليد قديمة كان فيها الزوج ملزما بالانتقال للإقامة مع أهل زوجته لأن أولاده سيأخذون ميراثهم من خالهم وليس من أبيهم.....؟ يتواصل....
ملخص الحلقة:
تتناول الانفصام الثقافي والاجتماعي في المجتمع، وإمكانية تطوير رؤية إسلامية تستفيد من التطورات الحديثة في المعرفة، مع الالتزام بالأسس الشرعية. والتركيز على ضرورة معالجة القضايا الثقافية والاجتماعية الجذرية بدلاً من مجرد معالجة الظواهر فقط.)

يتواصل

لمرابط ولد لخديم