الاثنين
2024/05/27
آخر تحديث
الاثنين 27 مايو 2024

كتاب: تائه يبحث؟! (الحلقة: 6)

19 مارس 2024 الساعة 17 و26 دقيقة
كتاب: تائه يبحث؟! (الحلقة: 6)
لمرابط ولد لخديم
طباعة

ونظرا لكثرة المفاهيم المستعملة في التحليل والمفتقرة إلى التعريف، خاصة بالنسبة لغير المختص تبقى الإجتهادات والملاحظات الشخصية سيدة الموقف.
يمتاز المجتمع الموريتاني بنظامه الاجتماعي التكاملي الفريد من نوعه ويدافع عنه بكل عزم وقوة لكونه يجسد في نظره روح الشرف وقد اخترع ضمانات أخلاقية واجتماعية معينة..فما هو هذا النظام؟
إن قاعدة هذا النظام هي الأسرة أو القبيلة التي تمتد إلى الإخوة والأخوات وأولاد العم وأولادهم وشيخ القبيلة والوجهاء، وقد نشطت المهارات الإبداعية في هذا المجال فتواضعت على ضمانات أخلاقية واجتماعية للحيلولة دون تلاشي هذه العادات، فمثلا أبن فلان، ومن قبيلة كذا... وعبارات (وخْيرت، و ورْخست) وقد تطورت هذه العلاقات حتى اتخذت شكل جمعيات قائمة على أساس جد واحد.
ونتيجة لوجود هذه العلاقات المتشابكة، لا يعرف الموريتاني العزلة ولا يعدم من يشاركه الأفراح والأتراح، فكما يقال "الخيمة خيمتك" وهذا غير موجود في المجتمعات الأخرى، ولعل كلمة (وخْيرت) لما تبعثه في شخصية الشنقيطي أو الموريتاني هي الدافع الأساسي الذي حمل المجتمع على عدم التنكر لهذه العادات، وفضلا عن هذا يجب على كل فرد من الذين تربط بينهم هذه العلاقات أن يمد يد المساعدة للآخرين وإذا لم يتقدم إليهم لتأدية واجبه أتوه لأخذ حقوقهم.
وهذا ما يفسر وجود عدد كبير من الناس في بيت كل موسر من سكان المدن الموريتانية، وقد يصل الأمر إلى حد تضرر الشخص ماديا وأدبيا بسبب التكاليف الباهظة التي يجرها عليه تواجد هؤلاء حوله.
ومع ذلك تأبى عليه تلك الروابط أن يبدر منه أدنى تبرم، لأن ذلك يعتبر ضعفا في المروءة وروح الشرف (أمحيلي )، إن روح الشرف المرتبط بقيم البطولة والإباء والحكمة هي الدافع إلى التضحية لصالح المجتمع والباعثة على التنافس ا لخلاق بين الأنداد (أتفاييش) ،وهذا الأخير أخذ في وقتنا الراهن شكلا سلبيا بحيث إذا اجتمعت جماعة من الناس من طبقة اجتماعية واحدة في السعي لتحقيق غاية واستطاع أحدهم أن ينالها، فإن الأفراد الآخرين سوف يستسهلون الصعب حتى يفعلوا مثله، وهذا لا ينسينا الجانب السلبي للتصرف النابع من هذه الروح، ذلك الجانب المتمثل في عناية مفرطة بالمظهر، إن فكرة ضرورة الظهور بمظهر الند أو المثل (أتفاييش) جعل كثير من الناس يعيشون فوق طاقتهم. وعلى سبيل المثال:
إذا تزوج شخص ما وأنفق مليون أوقية، أصبح لزاما عليّ أن أحاول بكل الوسائل الاقتداء به، ولو كان وضعي المادي يختلف اختلافا كليا عن وضعه، الأمر الذي يرغمني على سلوك طرق ملتوية للحصول على المال.. والمثال يتكرر في السيارة الفاخرة، والمنازل وجميع المظاهر الكمالية...
ورغم أن هذه الضمانات الأخلاقية والاجتماعية ابتعدت عن معناها الأصلي الذي ظهرت من أجله فان العرف الموريتاني مازال يتمسك بها فمثلا:
1ـ (وخيرت) كانت ترمز للعلم، والشهامة، والأخلاق الفاضلة، والأمانة، والصدق، والوفاء بالعهود.
أما الآن فما إن تتملك حفنة من المال بقطع النظر عن من أين حصلت عليه؟! حتى توصف بكل الأوصاف الحميدة.
2ـ المثل أو(التفايش) كان الناس يتنافسون في العلوم، ومعرفة الأحكام، وإكرام الضيف...وأضحت الآن على المنازل الضخمة، والسيارات الفاخرة والاستجمام....الخ
وهكذا حيث ما اتجهنا وجدنا من الشواهد ما يكفي للدلالة على أن ما نشاهده بمنظارنا هو أقرب للغريزة منها إلى العقل، وإذا اختزلنا الكلام السابق في (صيغة رياضية فإننا نجد أن الإنسان صاحب عمل مكون من قول وفعل وحين نضع العمل في معادلته الصحيحة نخرج منه خارج قوس (القول والفعل) ليكون في طرف، واليكن العمل في طرف آخر فتصبح المعادلة على الشكل التالي:
القول + الفعل = العمل.
فالفعل إما أن يكون مثلا أعلى فهو فعل إلهي، وإما أن يكون مثلا أدنى فهو فعل الحيوان، أما ما يفعله الإنسان فهو الفعل الذي لا يمكن أن يكون مثلا أعلى، فليس في الوسع قراءة آخر كلمة في صحيفة التطور، ولذا فهو عمل سائر في طريق الكمال ولا يمكن أن يكون مثلا أدنى لأن في هذا إسقاط لصفة العمل عنه واقتصاره على صفة الفعل وعندما يكون كذلك فقد خرج من هويته الإنسانية..
والإنسان صاحب عمل مؤلف من قول وفعل، وإذا انفصل قول الإنسان عن فعله فقد صفة العمل التي جعلته إنسانا وفقد الحرية، لأن الحرية هي عمل في تحرير نفسه وتحرير الوجود من حوله بوعيه لحركة الجدل... وانحط إلى مرتبة الفعل الأندى مرتبة الحيوان الأعجم.
وحين خرج الإنسان من دائرة الفعل والقول إلى دائرة العمل ليحقق حريته بما يفعل ضل الطريق إلى حريته بسلوكه طريق الفعل وحده أو طريق القول وحده.
أنظر إلى ضياع الحرية الذي تجده في قوله تعالى ﴿ يأيها الذين آمنوا لم تقولون مالا تفعلون * كبر عند الله مقتا أن تقولوا مالا تفعلون﴾ سورة الصف الآية: 2-3.
لقد ضاعت الحرية بضياع العمل وضاع العمل حين انفصل فيه القول عن الفعل والأصل هو القول + العمل. وأكبر تكريم للإنسان أنه اتؤمن على الحرية حين أعطي صفة العمل، وتكون المعادلة الجديدة:
القول + الفعل= العمل و= الحرية
على فرض أن كل طرف من أطراف هذه المعادلة قائم على وعي حركة الجدل، ولما كان الوجود كله مادة خاما لا عمل فيها، فهو ضرورة لا وجود فيه للحرية. لأن هذا الوجود بلغ بحركته أقصى الحرية حين بلغ القيد.
ونحرر منه على مقدار ما نقول ونفعل، أي على مقدار ما نعمل، ونعمل على مقدار ما نعي من حركة الجدل فيه(66).
وكل شيء لا تعمله أنت بيديك فهو ضرورة، ولو نظرت إلى كل الموجودات المصنعة على أنها ضرورة، وأن ما تحرره منها خالصا لك يكون مناسبا مع مقدار عمل ووعيك لحركة الجدل فإن نظرتك هذه من صميم هويتك الإنسانية.
الحرية قيدها العمل، والعمل قيده الحرية، وليس لأحدهما وجود مستقل بذاته، فهناك تحرر العامل. وعمل المتحرر..
والأصل في قيد الحرية هذا أن الطبيعة ضرورة، وكل ما فيها يجري على منهج. ولا سبيل لتسخيره لنا إلا بالعمل...(67)..
ولكون هذا المجتمع لا يعمل, لقوله مالا يفعل, فانه يعيش حالة من الانفصام بينه وبيئته لذا نراه يهرب من التفكير بانغماسه في الملذات إلى درجة تكييفه للعادات الوافدة مع عقله الجمعي. وهذا يسلمنا إلى معادلة جديدة أحد طرفيها البطن والفرج والطرف الآخر القلب والعقل وتكون المعادلة على الشكل التالي:
العقل+ القلب = البطن+الفرج.
ملخص الحلقة:
النظام الاجتماعي في المجتمع الموريتاني يعتمد على الأسرة والقبيلة كقاعدة أساسية، ويتسم بالتكامل والتضامن، حيث يشكل الأفراد والأسر جزءًا من شبكة اجتماعية مترابطة. يتمسك المجتمع بهذه القيم والعادات التقليدية مثل الشرف والأمانة والصدق، ولكن في بعض الأحيان، يمكن أن يتحول بعض هذه القيم إلى تحديات مثل الضغط لمواكبة المظاهر الاجتماعية الباهظة والتنافس الغير مبرر في الحصول على الثروات المادية.التي أصبحت هي المعيار اليوم في عالم مادي متوحش يسعى الى فردنة الانسان!!

يتواصل

لمرابط ولد لخديم