السبت
2024/05/18
آخر تحديث
السبت 18 مايو 2024

هل كانت موجة المهاجرين الأخيرة "متعاگبة مع الرفگة"؟

4 فبراير 2024 الساعة 15 و02 دقيقة
هل كانت موجة المهاجرين الأخيرة
الدكتور احمد ولد سيدي محمد
طباعة

شهدت السنة المنصرمة تدفق أعداد غير مسبوقة من المهاجرين "غير الشرعيين" على الولايات المتحدة الأمريكية، وربما تدفقت أيضا أعداد مماثلة أو أكبر على دول أخرى في الشرق والغرب بطرق شرعية أو غير شرعية. وكانت "الأخبار" قد نشرت سلسلة مقالات ناقشت بعض أسباب هذه الموجة، إضافة إلى الظروف التي يعيشها المهاجرون هنا والأسباب تجعل خيار العودة إلى الوطن غير جذاب. ورغم أنه قد بدأت أحوال أفراد الموجة الأخيرة في الولايات المتحدة تتحسن، إلا أنهم لا زالوا يعانون من مشاكل إدارية لا يستهان بها كما أن أملهم في الحصول على إقامات شرعية أو دائمة لا زال غامضا.
ومما يدعو للأسى أن الغالبية العظمى من هؤلاء المهاجرين هم شباب في مقتبل العمر وسن التعلم والترتيب لبناء مستقبل أكثر شروقا. وسأتجاهل مؤقتا أن معظم الموريتانيين لا يعتقدون أن التعليم (الأصلي أو العصري) وسيلة لضمان مستقبل نير. اعتقاد ليس خاطئا ومدمرا للفرد والمجتمع فقط، ولكنه أيضا مشين ويتنافى مع تقاليدنا وقيمنا. ومن المؤسف أيضا أن موجات الهجرة الأخيرة ربما كانت "متعاكبه مع الرفگة"؛ أي بمعنى أنها تزامنت مع أسوأ فترة لهجرة البلد وذلك لسببين رئيسيين:
 أولا: لقد أخذت سياسات الهجرة في الدول الغربية اتجاه المهاجرين تزداد تطرفا، كما بدأت مشاعر المواطنين نحوهم تزداد حقدا وكراهية بسبب الضغوط السياسية والاقتصادية، والتزايد الملحوظ في شعبية أحزاب اليمين المتطرف أو ما يعرف ب Alt Right في الولايات المتحدة وأوروبا. هذه الأحزاب شهدت نجاحا عارما بعد ظهور دونالد ترامب كـ"سياسي" ضرب بعرض الحائط جميع التقاليد والممارسات السياسية المتعارف عليها، وتمكن من اختراع طريقة لممارسة الدكتاتورية في ظل ما يعتبر نظاما ديمقراطيا. لكن تأثير ترامب تعدى حدود الولايات المتحدة فظهر أمثاله في المملكة المتحدة، والمجر وإيطاليا، إضافة إلى تزايد شعبية ونفوذ أحزاب اليمين المتطرف في فرنسا وألمانيا. فأصبحت هذه الأحزاب تحظى بالقبول لدى أعداد كبيرة من الجمهور بعد أن كانت منبوذة من طرف الجميع باعتبارها غير لائقة أو مؤهلة للعب أي دور جدي في السياسة الوطنية. وتُوجت سلسلة انتصارات اليمين المتطرف بالنجاح الباهر الذي حققه حزب الحرية (Party for Freedom) في هولندا وعلى رأسه جيرت وايلدرز (Geert Wilders) الذي يعتبر واحدا من أكثر الأوروبيين تطرفا ومعاداة للمهاجرين عموما والمسلمين تحديدا والذي يتوقع أن يترأس الحكومة.
 ثانيا: موريتانيا على أعتاب ما قد يمثل ثورة اقتصادية غير مسبوقة في تاريخ البلد نأمل أن تؤدي إلى تحولات جذرية في الأحوال المعيشية خلال الفترة المقبلة. فطالما قرأنا في كتب المدارس منذ صغرنا عن الثروات الطبيعية الهائلة التي نمتلكها من معادن وماشية وموارد بحرية. لكن الجديد في هذا الصدد هو أن وسائل الإعلام المحلية والدولية تناقلت في السنوات الخيرة أنباء اكتشاف النفط والغاز الطبيعي باحتياطات ستجعل موريتانيا واحدا من أهم مصادر الطاقة في السنوات القليلة القادمة. وحسب هذه المصادر، فإن البلد يمتلك احتياطيات تجعله يتصدر قائمة الدول الأفريقية المنتجة لهذه المواد إلى جانب الجزائر وليبيا. ولذلك يُتوقع أن تساهم صادرات النفط والغاز في رفع حجم الناتج الوطني بصفة ملحوظة يجب أن يصحبها تحسن مماثل في مستوى المعيشة.
فهل كانت الموجات الأخيرة حقا "متعاگبة مع الرفگة"؟ الجواب هو نعم، على الأرجح ويتوقف بالدرجة الأولى على تطورات الأوضاع خلال السنوات القادمة على الساحتين المحلية في موريتانيا والدولية.
فعلى الساحة الدولية، من المتوقع أن تتواصل حدة المشاعر المعادية للهجرة والمهاجرين في الدول الغربية والشرقية على حد سواء. ومن جهة ثانية هناك بوادر تنذر باندلاع مواجهات عسكرية قد تتفاقم لتصل إلى حرب عالمية "ساخنة", إضافة الحرب الاقتصادية التي تدور بين الصين والولايات المتحدة منذ سنين، ناهيك عن المواجهة العسكرية المتأججة بين روسيا الاتحادية من جهة وحلف شمال الأطلسي من ناحية ثانية، وجرائم الإبادة الجماعية الحلية التي ترتكبها دولة الاحتلال ضد الإخوة الفلسطينيين وتداعياتها. تمثل هذه الوضعيات مجموعة قنابل معرضة للانفجار في أي لحظة، الأمر الذي ستنتج عنه اضطرابات بالغة التأثير سيكون المهاجرون أول من يتضرر منها.
أما محليا، فكلنا نراقب بتفاؤل مصحوب بالحذر تنفيذ سياسات الإصلاح وخطط التنمية المعلنة من طرف الحكومة، والتي نرجو أن تكلل بالنجاح وأن تشمل الاستفادة من نتائجها جميع شرائح المجتمع بعدالة ومساواة. لكن بطبيعة سيكون المهنيون والمتدربون في مجالات العلوم والتكنولوجيا في تأهلهم أكثر من غيرهم للاستفادة من التحولات الاقتصادية المرتقبة. ولذلك فإن من يغتنم هذه الفرصة ويسعى لاكتساب المؤهلات التي يعتمد عليها اقتصاد المستقبل سيكون له حظ أكبر من النجاح ويشارك دفع عجلة الإنتاج في البلاد إلى الأمام.
لكن فبل اختتام هذا النقاش، يجب التنويه إلى أن التفاؤل ليس وسيلة فعالة لتحقيق الأهداف لأن ذلك يتطلب التشمير عن السواعد وبذل مجهودات جبارة، بطريقة منهجية قائمة على خطط مدروسة ومحكمة، كما يتطلب مشاركة الجميع من حكومة ومعارضة وأفراد. فيجب على مسيري أمور الدولة إدراك حجم المسؤوليات المنوطة بهم والآمال المعلقة عليهم والتحديات التي يوجهها البد في الوقت الراهن. تحديات ستتضاعف مع زيادة الأهمية الاقتصادية والسياسة للبلد وأطماع الأطراف الداخلية الخارجية التي ستحاول بكل ما أوتيت من قوة الاستيلاء على أكبر قدر ممكن من ثروات البلد.
فمن العار والمخجل أن تظل دولتنا وشعبنا فقيرين بعد أن نتبوأ مكانة بارزة بين منتجي النفط والغاز على الساحة العالمية. فالرجال (والنساء) هم من يصنعون الثروة ويحققون الأمجاد وينهضون بالبلاد بينما العكس ليس صحيحا ولن يكون صحيحا. فكلنا على دراية بمصير دولة ليبيا الحبيبة التي-بغض النظر عن المواقف المؤيدة أو المعادية للعقيد معمر القذافي- تحولت بين عشية وضحاها من واحدة من أكثر الدول العربية والإفريقية ثراء إلى شعب تتقاسمه القوى الخارجية وشتته الحروب والنزاعات الطائفية والتنافس على السلطة، بعدم ما دمرها (دولة ليبيا) عدوان دول حلف شمال الأطلسي.
إجابة السؤال الذي طرحناه في البداية ستتوقف على الطريقة التي ستدار بها البلاد وثرواتها خلال الفترة المقبلة. هل سيتم استغلال الثروات الموجودة حاليا والمكتشفة أخيرا لبناء جامعات تكون المهنيين ومستشفيات نعالج المرضى وبنى تحتية تسهل إدارة الأعمال وحياة المواطن ومنشآت لتشغيل العاطلين عن العمل؟ أم هل إن هذه الثروات سوف تقسم ما بين نصيب لثلة ممن يفسدون في الأرض ولا يصحلون، ونصيب آخر للشركات الغربية العملاقة التي ستقوم باستخراجها (الثروات) ويبقى الشعب يعاني الفقر والفساد ويتقاسم خيبة الأمل؟.
الدكتور احمد ولد سيدي محمد خبير في علم الأوبئة، وعضو هيئة تدريس جامعي، مقيم في الولايات المتحدة الأمريكية