الجمعة
2026/10/2
آخر تحديث
الجمعة 2 أكتوبر 2026

عدتُ إلى المكتبة.. فوجدتُ ربع قرن من حياتي بين الرفوف!!

منذ 1 ساعة
عدتُ إلى المكتبة.. فوجدتُ ربع قرن من حياتي بين الرفوف!!
لمرابط ولد لخديم
طباعة

في صبيحة يوم الخميس، الأول من أكتوبر 2026م (الموافق 20 ربيع الثاني 1448هـ)، ساقتني الأقدار مجدداً إلى نقطة الانطلاق الأولى لمسيرتي في عالم البحث والتأليف: المكتبة الوطنية في نواكشوط، حيث وجدتُ ربع قرن من عمري مخبأً بين رفوفها.
ما إن عبرتُ بوابتها حتى تلاشت فجوة الخمسة والعشرين عاماً، وتراءى لي طيفي وأنا شاب يرابط يومياً بين هذه الأروقة، يدوّن ملاحظاته بالورقة والقلم، ويسابق الوقت لالتهام عناوين المعرفة. لم تكن المكتبة بالنسبة لي مجرد بناء يضم كتباً، بل كانت الحاضنة التي شكلت وعيي، والملاذ الهادئ الذي تبرعمت فيه أفكاري الأولى.
طفتُ بأرجاء المكان مستذكراً وجوه عاملين كانوا بمثابة العائلة؛ بعضهم رحل إلى الدار الآخرة وبعضهم تقاعد، بينما لا يزال البقية قابعين في وظائفهم منذ عقود دون أي ترقية تنصف خبراتهم، في وقت تُسند فيه إدارة المؤسسة لوافدين من خارجها.
هذا الجمود الوظيفي فتح في نفسي جرحاً أعمق يتعلق بواقع الباحث والمثقف في بلادنا. فالمفكر الذي يأبى التملق يجد نفسه في زوايا التهميش، مكابداً لتمويل مشروعه الثقافي من جيبه الخاص، حتى بعد أن تثبت جدارته. ومن أشد المفارقات إيلاماً أن تُنشر أعمال الكاتب الموريتاني وتُحتضن في الخارج، بينما تتجاهل مؤسسات وطنه الرسمية اقتناءها أو الاستفادة منها.
عاد بي شريط الذاكرة إلى مسيرتي بعد عودتي إلى أرض الوطن من العاصمة السورية دمشق عام 2003م، حين أسستُ "الجمعية الوطنية للتأليف والنشر" وأصدرتُ النسخة الورقية من مجلة "آفاق فكرية" مستنداً إلى خبرتي السابقة. لكن قلة العوائد وارتفاع التكاليف المادية، خلافاً لما عهدته في دمشق، اضطرني لدمجهما في منصة رقمية واحدة تحت اسم موقع "آفاق فكرية".
في خضم تلك الظروف الصعبة، لاحت بارقة أمل حين تواصل معي الإداري المدير العام للشركة الوطنية للصناعة والمناجم (SNIM) السيد محمد فال التلميدي سنة 2020م، مقترحاً علي التعاون في المجال الإعلامي لتوثيق التدخلات السنوية لـ "خيرية أسنيم" في كتيب خاص. لقد جاء هذا العرض، الذي أذكره له ببالغ العرفان، في وقت كنت في أمس الحاجة إليه، خاصة لتواجدي حينها في مدينة ازويرات لرعاية والدتي المريضة، رحمها الله.
ورغم مرارة هذه الشجون، أهدتني المكتبة في تلك الزيارة لحظة من أصدق لحظات الفرح، حين لمحتُ اثنين من مؤلفاتي يستقران على رفوفها في متناول القراء:
"معرفة الله: دلائل الحقائق القرآنية والكونية": الفائز بجائزة شنقيط (2003م)، والذي صدرت طبعاته عن دار الوثائق بدمشق (2001م) ثم دار وحي القلم (2002م).
"دين الفطرة: استنطاق الرياضيات والفيزياء بلغة إنسانية": الصادر عن الأكاديمية الهندية بدلهي (2010م)، ثم دار وحي القلم (2014م).
إن رؤية أفكارك التي سطرتها ذات يوم وقد تحولت إلى زاد معرفي ينتفع به الناس؛ هي المواساة الحقيقية والغاية الأنبل لكل مؤلف.
غادرت المكتبة وأنا أستشعر ثقل ربع قرن من الذاكرة. تذكرت زمناً كان فيه الكتاب هو المصدر الأوحد، والورق والقلم هما التكنولوجيا المتاحة، قبل أن يقلب الانفجار الرقمي والذكاء الاصطناعي موازين العالم، ويفتح إمكانات هائلة وضعت الإنسانية أمام أسئلة وتحديات غير مسبوقة.
قد تتبدل أدوات المعرفة وتتطور، لكن شعلة واحدة تأبى الانطفاء: تلك الدهشة الصافية التي تغمر الباحث حين تومض في ذهنه فكرة جديدة، أو يفتح له سؤال باباً نحو سؤال آخر. إنه ذات الشغف الذي قاد خطواتي، قبل خمسة وعشرين عاماً، إلى رفوف هذه المكتبة.

لمرابط ولد لخديم