الثلاثاء
2026/09/29
آخر تحديث
الثلاثاء 29 سبتمبر 2026

الضيوف الخمسة الفتاكة التي تنخر جسم البلد ولا يتحدث عنها أحد!!!

منذ 21 دقيقة
الضيوف الخمسة الفتاكة التي تنخر جسم البلد ولا يتحدث (…)
طباعة

يواجه بلدنا اليوم – لمن يتأمل الوضع الصحي والاجتماعي،بمسؤولية – خمسة ضيوف فتاكة تنذر بأزماتٍ داهمة، وكوارثَ متصاعدة، ومخاطرَ لم يعد من المقبول التعامل معها باعتبارها حوادث عابرة أو ملفات هامشية.
إنها أزمات تتسلل إلى جسد الوطن من منافذ متعددة قاتلة ، وتضرب في صحته وأمنه وتعليمه وقيمه وقوته اليومي، حتى أصبح الصمت عنها نوعاً من الهروب إلى الأمام في وجه الكارثة .
وإذا كان لكل وطن لحظةٌ يتعين فيها أن يتوقف عن إدارة الأزمات بالمسكنات، فإننا نعتقد أن تلك اللحظة قد حانت.
إننا أمام خمسة ضيوف ثقال على الوطن ، فتاكين، لا يستأذنون في الدخول، وإذا استقروا في جسد المجتمع يصعب إخراجهم. وكل واحد منهم، منفرداً، جدير بأن يستنفر له الوطن مؤسساته وخبراءه وموارده؛ فكيف إذا اجتمعت هذه المخاطر في وقت واحد؟

1- تفشي مرض السرطان… الجائحة الصامتة

لم يعد مرض السرطان بأنواعه مجرد حالات فردية متفرقة؛ بل أصبح هاجساً صحياً واجتماعياً ثقيلاً يملأ البيوت بالأسى والحسرة ، ويترك وراءه ألماً وفقداً واستنزافاً مادياً ونفسياً لا يمكن تجاهله.
إن كل الشعب في ذهول يتساءل لماذا يتزايد هذا المرض بهذه الوتيرة ؟ وما الذي يحدث؟
هل للأمر علاقة بتلوث الغذاء من مواد مسرطنة ؟ أم بتزوير وفوضى الدواء؟ أم بعوامل بيئية تتعلق بالمواد السامة التي استعملها شركات التعدين ؟ أم بأنماط غذائية وحياتية تغيرت؟ أم أن هناك أسباباً أخرى لم تُبحث بما يكفي؟أين مصالح الصحة العمومية؟ والأخطر من السؤال عدم الجواب ! .
إننا نواجه خطر أن نعتاد على وجود، وأن يتحول عدد الأرواح التي يحصدها رقماً عابراً في الإحصائيات وأن يصبح ألم الأسر قضيتهم الخاصة .
إننا ومن نافلة القول - بحاجة إلى استنفار وطني صحي وبيئي وعلمي، لا إلى انتظار مزيد من الضحايا حتى يصبح حجم الكارثة أكثر وضوحاً.
فإذا كان هناك خطر يهدد صحة المجتمع، فإن واجب الدولة ليس فقط علاج المريض بعد إصابته، وإنما البحث عن مصدر الخطر قبل أن يصل إلى المريض .
وهكذا يبقى السؤال المركب الذي لا يجوز تأجيله والذي يقود لسؤال أخطر من : كم من الوقت نملك قبل أن يتحول القلق الصحي إلى كارثة وطنية يصعب احتواؤها؟ وهل فكرت الدولة أصلا في هذا الأمر من باب الخطورة ؟

2- غول المخدرات والمسكرات… استهداف الناشئة

إذا كان السرطان ينهش الجسد بصمت، فإن المخدرات والمسكرات تنهش الجسد والعقل والمستقبل معاً.
تشهد البلاد اتساعاً مقلقاً في دائرة المتاجرة بالمخدرات والخمور وجمهورها ، وتطوراً في أساليب الترويج والوصول إلى المستهلكين، فيما يكمن الخطر الأكبر في استهداف الشباب والمراهقين، أي الفئة التي يفترض أن تكون عماد المستقبل وقوة المجتمع.
وحين يصل هذا الخطر إلى محيط المؤسسات التعليمية والمرافق العامة والأحياء، فإننا لا نكون أمام مشكلة فردية، وإنما أمام تهديد اجتماعي وأمني وصحي متكامل.
فماذا يعني أن يدخل المخدر إلى عقل شاب قبل أن ينهي دراسته وقبل ان يدخل سوق العمل؟
وماذا يعني أن يصبح المراهق هو هدفا هذه الشبكات ؟
إن ترك هذه الظاهرة تتمدد يعني ببساطة ترك جهود فتاكة تسرح وتمرح في مجتمعنا تفتك بهذا وتفسد عقل هذا وتحول هذا إلى فاشل وذلك إلى مجرم وتلك إلى مومس وتنتقل بكل حرية واتساع من صحن المجتمع ألى صحن الدولة .
ولهذا فإن مواجهة المخدرات لا يمكن أن تكون حملة موسمية أو إجراءات متفرقة إننا اليوم لم نعرف مسار التحقيق في حبوب الهلوسة الذي انفجرت فضيحته وقام لها الرأي وقعد باستثناء نتيجة واحدة مزيد من الحماية والازدهار لكل الشبكة ".أيعقل هذا النوع من النتائج الذي بمثابة المخاطرة بمستقبل البلد وهو عكس لمانحتاجه بالضبط .
إن البلد وعلى نحو ملح كما لم يواجه أمرا ملحا في السابق يحتاج إلى استراتيجية وطنية دائمة صارمة وعميقة تضرب جذور شبكات الترويج، وتشدد الرقابة على التهريب ، وتحمي المدارس ومحيطها، وتكثف التوعية، وتوفر العلاج والتأهيل، وتفتح أمام الشباب أبواب التعليم والعمل والرياضة والثقافة.
فالذي يخسر معركته مع المخدرات اليوم، يتعمد خسارة جيل كامل غدا .

3- فوضى “التواصل الاجتماعي”… تجريف الهوية والقيم

لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد أدوات للتواصل وتبادل الأخبار والصور والترفيه ؛ بل أصبحت قوة اجتماعية وثقافية هائلة، قادرة على تشكيل الذوق العام، والتأثير في السلوك، وصناعة الشهرة، وتوجيه النقاش العام وهي بالتالي سلاح قوي فتاك ومدمر ، وهنا تكمن خطورته فحين تنفلت هذه المساحات الشاسعة من كل مسؤولية أخلاقية وقانونية، يصبح المحتوى الأكثر إثارة هو الأكثر انتشاراً، والأكثر ابتذالاً هو الأسرع وصولاً، والأكثر صخباً هو الأقدر على صناعة النجوم وعندما تكون نتيجة ذلك حصد الأموال فإن الأمر لم يعد مجرد هواية بل ذخيرة حية بيدي أغرار .
ومع الوقت، سنجد أنفسنا أمام انقلاب خطير في موازين القدوة وحدود الاخلاق : من يملك الجرأة على تجاوز الخطوط الحمراء يصبح مشهوراً، ومن يملك رسالة نافعة يجد نفسه خارج دائرة الضوء.
لقد تحولت بعض المنصات إلى ساحات لانتهاك الخصوصيات، واستباحة الأعراض، ونشر الشائعات، وترويج المحتوى الهابط، واستثمار الفضائح في صناعة المشاهدات والأموال.
وهنا لا يتعلق الأمر بخلاف بين جيل قديم وجيل جديد؛ ولا بأدوات إعلامية قديمة وأخرى حديثة بل يتعلق بخطر أعمق:
أي مجتمع نريد أن نكون بعد عشر سنوات إذا تركنا خوارزميات المنصات تصوغ ذوق أبنائنا وقيمهم وقدواتهم؟
إن الهوية لا تنهار دفعة واحدة؛ إنها تتآكل بصمت، مقطعاً بعد مقطع، ورسالةً بعد رسالة، وسلوكاً بعد سلوك، حتى يستيقظ المجتمع يوماً فيكتشف أن ما كان يعتبره استثناءً أصبح قاعدة.
ولهذا، فإن حماية المجتمع لا تعني خنق الحريات، وإنما تعني التصدي للابتذال وسوء الأخلاق والذوق وعدم الالتزام بأصول اللياقة من خلال بناء وعي رقمي، وتطبيق القانون، وحماية الخصوصية والأعراض، ومواجهة المحتوى الضار، وتشجيع المحتوى المسؤول والنافع.
فالفضاء الرقمي أصبح جزءاً من الفضاء الوطني، ومن الخطأ أن نتركه بلا مسؤولية.

4- التسرب المدرسي… نزيف المستقبل

إذا كانت المدرسة هي البوابة الطبيعية إلى المستقبل، فإن خروج أعداد كبيرة من الأطفال والشباب منها قبل استكمال تعليمهم يعني أن نزيف المستقبل يبدأ من مقاعد الدراسة.
وتؤكد الأرقام المتداولة أن نحو أو أكثر 84% ممن يتجاوزون سن التمدرس لا يكملون مشوارهم التعليمي. إن هذه المحصلة ليست مجرد نسبة في تقرير؛ إنها جرس إنذار مدوٍّ.
وحين نضع ذلك أمام مجتمع يشكل الشباب فيه نحو 75% من التركيبة السكانية، والفتيات نحو 55% وفق الأرقام المتداولة، فإن السؤال الذي يصبح أكثر إلحاحاً:من سيصنع مستقبل هذا البلد إذا خرجت هذه الأعداد بصفة منتظمة من منظومة التعليم والتأهيل إلى المجهول ؟ حيث لا يوجد جواب عن أين تذهب هذه الأعداد الغفيرة؟
إلى أين ينتهي شاب غادر المدرسة مبكراً، ولا يجد تكويناً مهنياً، ولا فرصة عمل، ولا فضاءً يحتضن طاقته؟أين يذهب شاب لم يستطع التمدرس لأنه يساعد ذويه في قوتهم اليومي في الزراعة أو الرعي أو العمل اليومي ! أو لا يجد من يعيله ،أو لا يجد سوى طريق وحيد هو الذوبان في الفراغ أو الجريمة !
إن الفراغ ليس فراغاً محايداً.
فالطاقة التي لا تجد المدرسة أو مركز التكوين أو سوق العمل طريقاً لاستيعابها، قد تجد طريقها إلى الشارع، وستصبح عرضة للاستغلال والانحراف والجريمة والتطرف وسائر المخاطر الاجتماعية.
ولذلك فإن مكافحة التسرب المدرسي ليست ملفاً تعليمياً فحسب؛ إنها سياسة وقائية لحماية الأمن الاجتماعي ومستقبل الدولة.
علينا أن نعرف لماذا يتسرب أبناؤنا، وأن نواجه الأسباب من جذورها: الفقر، وبعد المدارس، وصعوبة النقل، وضعف البنية التعليمية، فقدان المعيل ، والحاجة إلى العمل، وغير ذلك من الأسباب التي ينبغي أن تكشفها الدراسات الميدانية.
ثم علينا أن نعيد من خرجوا من المدرسة إلى مسارات بديلة: التعليم المتوسط، والتكوين المهني، والتأهيل، والعمل المنتج.
فكل سنة تضيع من طفل خارج التعليم ليست سنة عابرة؛ إنها قد تكون سنة إضافية في صناعة أزمة الغد في دعم سوق المخدرات ومجتمع الانحراف .

5- موجة الغلاء وحرب القوت اليومي

أما الغلاء، فهو الضيف الذي لا يحتاج إلى طرق الأبواب؛ لأنه يدخل كل بيت مع أول كل صباح ، وكل سوق مع كل عملية شراء، وكل أسرة مع نهاية الشهر.
لقد تمدد الغلاء ليضغط على كبد الحياة اليومية، ولم تسلم منه حتى بعض المواد ذات الإنتاج المحلي، من الأسماك واللحوم والمنتجات الزراعية والألبان وغيرها.
وأصبح المواطن يسأل السؤال البسيط الذي لا يحتاج إلى خبير اقتصادي للإجابة عنه:
كيف يستطيع صاحب الدخل المحدود أن يعيش إذا كانت الأسعار ترتفع أسرع من قدرته على زيادة دخله؟
إن الراتب الذي كان يكفي بالكاد بالأمس، لا يكفي اليوم للحاجات نفسها.
والعامل البسيط، وصاحب المهنة، والموظف، والأسرة محدودة الدخل، جميعهم يجدون أنفسهم أمام معادلة قاسية: دخل محدود في مواجهة حاجات لا تتوقف وأسعار لا ترحم وتجار مهووسون بالمضاربة وقبضة عمومية متلاشية أمام سطوة وجشع التجار .
وأمام هذا الوضع يبقى السؤال القديم المتجدد والأكثر إيلاماً والذي هو: كيف يعقل أن يعيش المواطن هذا الضغط الغذائي في بلد يمتلك ثروة سمكية تقدر ب 1,5 مليون طن وحيوانية واراضي زراعية رحبة تتجاوز 500 ألف هكتار وثروة حيوانيّة هائلة تقدر ب 34 مليون رأس ،ورئيس جمهورية مسكون بتحسين الوضع الاجتماعي وتخفيف الصدمات على الفئات الهشة .
فأين الدعم الحكومي للقوة الشرائية وأين توفير المواد الأساسية ذات المصدر المحلي بأسعار رحيمة واين البرامج الحكومية التي تدعم القوت اليومي للمواطن ؟
وأين تذهب القيمة المضافة ؟
ولماذا لا تنعكس موارد البلاد الطبيعية بالقدر الكافي على مائدة المواطن؟
إن المطلوب ليس مجرد إجراءات ظرفية، وإنما استراتيجية وطنية للأمن الغذائي تبدأ بزراعة الحبوب والأعلاف والخضروات وتربية المواشي دعم سياسية الصيد للغذاء لا البيع فقط وترك المنتج الوطني يواجه المنافسة الأجنبية ، وتخفيض كلفة النقل، وتحسين التخزين والتوزيع، ومحاربة المضاربات والاختلالات، وضبط الأسواق، وضمان وصول الإنتاج الوطني إلى المواطن بسعر عادل.
فحين يعجز المواطن عن تأمين غذائه الأساسي، فإن المسألة تتجاوز الاقتصاد إلى الاستقرار الاجتماعي نفسه.
إن القوت اليومي هو الحد الأدنى الذي لا يجوز أن يصبح الحصول عليه معركة يومية تفوق كل الرهانات والتحديات .
هذه الملفات الخمسة، هي الخطر الأكبر لكنها تصبح أكثر خطرا عندما نعتادها عندما يصبح السرطان خبراً عادياً، والمخدرات ظاهرة مألوفة، والتسرب المدرسي رقماً في تقرير، والغلاء حديثاً يومياً بلا حل، والفوضى الرقمية واقعاً لا نملك حياله إلا الشكوى.
إنذار قبل فوات الأوان أو بداية الحل .
لقد أتاحت زيارة رئيس الجمهورية الأخيرة للولايات الداخلية - التي بدى فيها تجديد الشرعية السياسية -فرصة للاستماع المباشر إلى آهات المواطنين ومطالبهم وشكاواهم، وهي فرصة ينبغي ألا تنتهي بانتهاء الزيارة، بل أن تتحول إلى قرارات وسياسات وحلول ملموسة خاصة أن الرئيس أخذ فيها التزامات صارمة وعديدة ولعله يدرك بذلك أن المواطن لا يحتاج إلى أن يسمع مرة أخرى أن مشكلته معروفة؛ إنه يريد أن يرى ماذا سيفعل صانع القرار بها .إنه لايريد سماع تكرار إنجازات لاتدخل في صناعة قوته اليومي فهي مثل زعزعة الطيور بالنسبة له .إنه يريد الخبر المفرح الذي هو علاج مشاكله ومساعدته في التصدي لهمومه وآلامه ومن هنا، فإن المطلب الملح، في تقديرنا، خاصة بشأن هذه الضيوف التي هي لب تلك التأوهات ، هو تشكيل لجنة وطنية عليا، تحت الإشراف المباشر لرئيس الجمهورية، تُعنى بدراسة هذه الكوارث الخمس دراسة علمية وميدانية شاملة، وتحديد أسبابها وحجمها ومآلاتها، ووضع خطة استثنائية لمعالجتها، مع آجال محددة ومؤشرات واضحة للإنجاز.
ولا ينبغي أن تكون اللجنة مجرد لجنة أخرى تضاف إلى أرشيف اللجان والتقارير.
بل ينبغي أن تكون غرفة إنذار وطني:
تجمع البيانات ،تستمع إلى الخبراء ،تنزل إلى الميدان ،تحدد المسؤوليات ،تقترح الحلول ،تضع الأولويات ، وتتابع التنفيذ.
وأن يشكل البرلمان لجنة تشريعية مماثلة لاقتراح القوانين التي تساهم في إزاحة هذه الأخطار .
إننا لا ندعو إلى التخويف من أجل التخويف، ولا إلى تضخيم المشكلات من أجل الإثارة؛ وإنما ندعو إلى رفع درجة الاستشعار بالخطر قبل أن يصبح الخطر واقعاً لا يمكن احتواؤه.
فالأوطان لا تنهار دائماً بضربة واحدة؛ لكنها تبدأ بتراكم أزمات صغيرة، ثم تتشابك، ثم تتضخم، ثم يصبح علاجها أكثر كلفة من الوقاية منها.
ولهذا فإن الرسالة اليوم واضحة:
لا تنتظروا حتى تفقد السيطرة على وطننا .
لقد آن الأوان لأن ننتقل من إدارة الأزمات إلى منع تفاقمها، ومن أخذ زمام رد الفعل المتأخر إلى الاستباق والاستشراف ومن الوقوف عند تشخيص الخطر إلى مواجهته.
وهذه ليست دعوة إلى الهلع… إنها دعوة إلى الاستيقاظ.دعوة لتحمل المسؤولية فالوطن الذي نملك مسؤوليته اليوم هو نفسه الوطن الذي سيحاسبنا غدا ، كل من موقعه.

الإعلامي والمحلل السياسي محمد محمود ولد بكار