الثلاثاء
2026/06/23
آخر تحديث
الثلاثاء 23 يونيو 2026

موريتانيا بعد 2029: هل نبني دولة أم نهدر الفرصة الأخيرة؟ (1)

منذ 1 ساعة
موريتانيا بعد 2029: هل نبني دولة أم نهدر الفرصة الأخيرة؟ (1)
طباعة

الحلقة الأولى: عندما تغيّر العالم… ولم تتغير طريقة تفكيرنا!

هل تدرك النخبة السياسية، وتلك الحاكمة في موريتانيا، أن خريطة المصالح الدولية لم تعد كما كانت، وأن الظروف التي سمحت، لعقود طويلة، بإهدار الفرص الاستراتيجية لم تعد قائمة؟ وأن المنافسة اليوم لم تعد بين الدول الغنية وحدها دون الدول والفقيرة، بل بين الدول التي تمتلك رؤية استراتيجية وطموحًا للمستقبل، وتلك التي تكتفي بإدارة واقعها؟
فإذا كانت المملكة المغربية قد استطاعت، خلال العقدين الأخيرين، أن تقرأ التحولات الدولية مبكرًا، وأن تحول موقعها الجغرافي إلى رافعة استراتيجية، فانتقل حجم اقتصادها من نحو 90 مليار دولار سنة 2014 إلى قرابة 170 مليار دولار سنة 2026، وأصبحت قيمة تجارتها مع أوروبا تقارب 70 مليار دولار، كما نجحت في استقطاب استثمارات صناعية عالمية ضخمة، من بينها استثمارات صينية تُقدَّر بنحو 6 مليارات دولار في قطاعات استراتيجية مرتبطة بصناعة السيارات الكهربائية والبطاريات، رغم أنها لا تمتلك من الموارد الطبيعية ما تمتلكه موريتانيا، فإن ذلك لم يكن نتاج وفرة الموارد، بقدر ما كان ثمرة قراءة مبكرة للتحولات الدولية، وتحويل الجغرافيا إلى قوة اقتصادية ونفوذ استراتيجي.
وحين تبدأ قوة اقتصادية بحجم الصين في توجيه استثماراتها الصناعية الكبرى إلى هذا الجزء من العالم، فإن الرسالة لا تتعلق بالمغرب وحده، بل تكشف أن المنطقة بأسرها دخلت حسابات استراتيجية جديدة وموريتانيا بالأخص طرف مهم في ذلك. والمغرب بعد كسب الشرق والشمال فهاهي رؤيته تتجه جنوبًا؛ فلم يعد ينظر إلى موريتانيا بوصفها جارًا فحسب، بل باعتبارها الممر البري الرئيسي نحو عمقه الإفريقي ليس بواسطة التجارة لكن المشاريع العملاقة أيضا ، في الوقت ذاته تتزايد القيمة الجيوسياسية لموريتانيا نفسها مع إعادة رسم خرائط التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد،دون أن ينتبه أهلها لذلك !
فماذا يمنع موريتانيا، وهي إضافة إلى ذلك تمتلك ثروات معدنية وطاقوية هائلة، لا يقتصر الأمر فيها على ما هو مستغل اليوم، بل تشمل احتياطيات واعدة لا تزال مساحات واسعة منها خارج دائرة الاستكشاف والاستثمار، وثروة حيوانية تتجاوز أربعة وثلاثين مليون رأس، ومجالًا بحريًا يمتد من نهر السنغال إلى المحيط الأطلسي لمسافة تقارب ألفًا وخمسمائة كيلومتر، فضلًا عن موقع استراتيجي يربط شمال إفريقيا بغربها ومنطقة الساحل، من أن تحقق تحولًا مماثلًا؟
قد تبدو هذه المعالجة، للوهلة الأولى، مجرد مقارنة بين بلدين متجاورين، لكنها في حقيقتها أعمق من ذلك بكثير. فالمغرب ليس موضوع هذا المقال، وإنما هو أقرب نموذج إقليمي يثبت أن الموارد وحدها لا تصنع القوة، وأن الموقع الجغرافي لا يتحول تلقائيًا إلى نفوذ إلا بوجود رؤية، ومشروع وطني، وقدرة على قراءة التحولات الدولية قبل أن تتحول إلى وقائع يفرضها الآخرون.
لقد أثبت التاريخ الحديث أن وفرة الموارد ليست ضمانًا لبناء الدول؛ فالعديد من الدول الغنية بالثروات الطبيعية، مثل الكونغو الديمقراطية ونيجيريا وفنزويلا، بقيت أسيرة ضعف المؤسسات وغياب الرؤية، بينما استطاعت دول أقل حظًا في الموارد، مثل سنغافورة وكوريا الجنوبية وماليزيا، أن تتحول إلى قوى اقتصادية لأنها استثمرت في الإنسان، والمؤسسات، والبنية التحتية، والصناعة، والشراكات الاستراتيجية، وربطت سياساتها بما يفرضه المستقبل، لا بما اعتادته في الماضي.
فالقيمة الاستراتيجية للدول ليست ثابتة، بل ترتبط بالتحولات الكبرى التي يشهدها العالم. وما نعيشه اليوم ليس مجرد تغير في موازين القوة، بل إعادة صياغة لخرائط الطاقة، وسلاسل الإمداد، والممرات التجارية، ومراكز النفوذ.
إن ما نشهده اليوم ليس تغيرًا في الجغرافيا، بل تغيرًا في قيمة الجغرافيا. فالمواقع لم تتغير، لكن قيمتها الاستراتيجية هي التي تغيرت، وكذلك قيمة الموارد والمنافذ التي كانت تُعد، إلى وقت قريب، هامشية في الحسابات الدولية، بينما أصبحت اليوم في صميم التنافس بين القوى الكبرى. ولم تتغير موريتانيا هي الأخرى، بل تغيرت قيمة موقعها، وتضاعفت أهمية مواردها في عالم يعيد رسم أولوياته الاستراتيجية.
ومن هنا، فإن السؤال الذي يحاول هذا المقال الإجابة عنه ليس: لماذا تقدم المغرب؟ ولماذا تأخرت موريتانيا؟ وإنما سؤال أكثر جوهرية: هل تمتلك موريتانيا، وهي تقف على أعتاب مرحلة ما بعد 2029، مشروعًا وطنيًا يوازي حجم التحولات الجيوسياسية والاقتصادية التي يشهدها العالم، أم أنها ما تزال تدير المستقبل بأدوات الماضي، وبعقلٍ تشكل في عالم لم يعد موجودًا أصلًا؟
إن المشكلة التي تواجه موريتانيا لم تعد مشكلة موارد، ولا مشكلة أشخاص، ولا حتى مشكلة برامج حكومية؛ بل أصبحت، قبل كل شيء، مشكلة في طريقة التفكير السياسي، وفي القدرة على قراءة العالم كما هو، لا كما كان. إن أغرب شيء قد يثير الدهشة أن العالم رفع القيمة الاستراتيجية لموريتانيا، بينما ما زالت النخبة الموريتانية تنظر إليها بالقيمة القديمة !!!
لقد تغيرت معايير القوة. ولم يعد بقاء الدول وتقدمها مرتبطين بحجم ما تملكه من ثروات فحسب، بل بقدرتها على بناء رؤية استراتيجية، ومؤسسات قادرة على تنفيذها، ونخب ترفع سقف طموحها إلى مستوى التحولات الدولية. فالدول التي تقرأ المستقبل هي التي تصنعه، أما التي تكتفي بإدارة الحاضر، فإنها تجد نفسها، مع مرور الوقت، خارج معادلات التأثير.
ولهذا فإن التحدي الحقيقي بعد عام 2029 لن يكون انتخاب رئيس جديد فحسب، بل الاتفاق على مشروع جديد للدولة، يعيد تعريف أولوياتها، ومعايير النجاح فيها، وينقلها من إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل.
وعند هذه النقطة فقط يصبح السؤال مشروعًا: هل سيناقش أي حوار وطني القضايا التي سيُبنى عليها مستقبل الدولة خلال العقود القادمة، أم سيعيد إنتاج النقاشات نفسها التي استهلكها الماضي؟
ذلك هو السؤال الذي ستحاول هذه السلسلة الإجابة عنه، انطلاقًا من التحولات الكبرى التي تعيد اليوم رسم خريطة العالم، وتعيد معها رسم مكانة موريتانيا فيه.

يتواصل

الإعلامي والمحلل السياسي محمد محمود ولد بكار