الجمعة
2026/10/16
آخر تحديث
الجمعة 16 أكتوبر 2026

أنقذونا من عقود الإذعان.. صوملك وشركة المياه وشركات الاتصالات "الإنترنت": المواطن يدفع مقابل الظلم والشركات لا تُساءَل!

منذ 36 دقيقة
أنقذونا من عقود الإذعان.. صوملك وشركة المياه وشركات (…)
طباعة

الماء والكهرباء والإنترنت أصبحت اليوم مثل الأكسجين، لا تستقيم الحياة دونها، وإن اختلف مالكها ومصدرها!

لقد أمست من ضروريات الحياة الأساسية، التي ينبغي ألا تخضع لأي تعقيد أو مضاربة أو ابتزاز، وألا تتحول إلى وسائل لاستنزاف المواطنين، بدل أن تكون خدمات عمومية تُقدَّم لهم في ظروف احترام وعادلة وشفافة.

نحن اليوم في موريتانيا لا ندفع فقط ثمن غلاء هذه الخدمات، بل ندفع أيضًا ثمن الغش والاختلالات وسوء التسيير والفساد والإفلاس الإداري والمالي الذي قد ينعكس على أداء الشركات التي تربطنا بها عقود إذعان، لا يملك فيها الطرف الأضعف حق التفاوض، ولا تتاح لأغلبية المستخدمين خيارات حقيقية بديلة.

والمشكلة ليست في ارتفاع الأسعار وحده، وإنما في اختلال العلاقة التعاقدية بين المواطن وهذه الشركات؛ فالشركة تحدد شروط الخدمة، وتصدر الفاتورة، وتحتسب الاستهلاك، وتقرر وجود المتأخرات، وتطالب بالتسديد، بينما لا يملك المواطن، في جميع الحالات، وسيلة مستقلة وفعالة للتحقق من صحة هذه المطالبات أو الاعتراض عليها.

إنها علاقة يكون فيها طرف واحد هو البائع والمحاسب والحَكَم، والمنفذ ، بينما لا يُترك للطرف الآخر إلا أن يدفع أو يُحرم من الخدمة!

وهذا الوضع يستبطن من الظلم والإجحاف ما يصعب وصفه، خصوصًا عندما لا يجد المواطن جهة مستقلة يلجأ إليها لرفع الضرر عنه، فلا يبقى أمامه إلا الكمد والرضوخ لما يعتبره ابتزازًا واستنزافًا لا يملك القدرة على دفعهما.

ولكي لا يظل الحديث في دائرة العموميات، سأروي بعض الوقائع التي عشتها شخصيًا مع هذه الشركات، وهي وقائع تطرح أسئلة جدية حول حقوق المستهلك، وشفافية الفوترة، ومسؤولية المؤسسات عن الأخطاء التي قد تقع في حساباتها.

أولًا: شركة المياه.. فاتورة بـ770 ألف أوقية!

في إحدى المرات قبل سنة من الآن ، انقطعت عني فواتير الماء لمدة شهرين، وكنت قبل ذلك أسدّدها بانتظام كلما وصلتني عبر تطبيق «بنكيلي».

وفجأة، وصلتني فاتورة بمبلغ 770 ألف أوقية قديمة!

ذهبت إلى الإدارة المحلية للشركة التي نتبع لها، وقدمت تظلمًا، موضحًا أن هذا المبلغ يفترض استهلاك كميات هائلة من المياه، ويتطلب، وفق نمط استهلاكي المعتاد، زمنًا طويلًا.

قلت لهم: أنا لا أبيع الماء، وليست لدي مزرعة، ولا أشيد بناءً، ولا يوجد أي تسرب ظاهر من الخزان أو الشبكة الداخلية، وكنت أسدد فواتيري بانتظام، فمن أين جاء هذا المبلغ؟

كان الجواب ببساطة أن العداد سليم، وأن الاستهلاك مثبت!

لكن هل يكفي أن تقول الشركة إن العداد سليم لكي تصبح الفاتورة صحيحة؟ وهل سلامة العداد وحدها دليل على صحة جميع العمليات الحسابية والقراءات السابقة؟ وأين حق المشترك في الاطلاع على سجل القراءات، ومقارنتها، والتحقق من أسباب هذا الارتفاع الاستثنائي؟

بعد مسار طويل من النقاش والأخذ والرد، أُلزمت بتسديد ثلث المبلغ فورا ، وتقسيط الباقي على اثني عشر شهرًا.

وهنا تكمن المفارقة: لقد حصلت الشركة على أموالها، لكنها لم تقدم لي تفسيرًا مقنعًا لكيفية نشوء هذا المبلغ أصلًا!

فهل التقسيط حل لمشكلة الفاتورة، أم مجرد وسيلة لتحصيل مبلغ ما زالت صحته محل نزاع؟

ثانيًا: صوملك.. نصف مليون أوقية مقابل استهلاك غامض!

تكررت الواقعة نفسها تقريبًا مع شركة «صوملك».

فقد سافرنا لقضاء فترة راحة، وعندما عدنا وجدت نفسي مدينًا للشركة بمبلغ أكثر من 500 ألف أوقية قديمة!

وسلكت المسار نفسه: مراجعات ونقاشات واعتراضات، انتهت إلى دفع جزء من المبلغ وتقسيط الباقي.

والمثير أن الشركتين تقدمان التبرير نفسه تقريبًا: ربما كنتم تسددون فواتير تقديرية، ثم ظهرت الفوارق عند إجراء القراءة الفعلية!

لكن السؤال الذي لا أجد له جوابًا هو: كيف تتراكم هذه المبالغ الكبيرة دون تنبيه المشترك؟ وكم من الوقت يلزم لتراكمها؟ ولماذا لا تُعرض عليه القراءات السابقة والحالية، والفترات التي شملتها التقديرات، والأساس الذي احتُسبت عليه الفوارق؟

ثم من يتحمل مسؤولية استمرار الفوترة التقديرية، إن كانت هي السبب فعلًا؟ هل يتحمل المواطن وحده نتائج تقديرات لم يضعها، وقراءات لم يجرها، وحسابات لا يملك وسيلة للتحقق منها؟

إن انتظام المواطن في تسديد الفواتير التي تصدرها الشركة ينبغي أن يكون قرينة على حسن نيته، لا مدخلًا لمفاجأته بديون ضخمة لم يكن يعلم بوجودها!

ثالثًا: ديون تلاحق العقارات حتى بعد تقديم براءة الذمة!

ولم تتوقف هذه المفارقات عند حدود اشتراكاتنا السابقة.

فعندما استأجرنا مكاتب جديدة، قدم لنا مالكها براءة ذمة صادرة عن شركة المياه، تثبت، بحسب مضمونها، خلو الحساب المعني من المتأخرات.

لكن عندما أردنا إبرام عقد جديد، فوجئنا بوجود مبلغ قيل إنه متأخرات سابقة!

أبرزنا براءة الذمة، ومع ذلك لم يتغير شيء!

وهنا يبرز سؤال بالغ الأهمية: ما القيمة القانونية والإدارية لبراءة الذمة التي تصدرها الشركة نفسها، إذا كانت تستطيع تجاهلها عند أول مراجعة؟

وكيف يُطلب من المواطن أن يثق في وثائق مؤسسة لا تعترف هي نفسها، عند النزاع، بما أصدرته من وثائق؟

وتكرر الأمر مع الكهرباء؛ فقد وجدنا العداد في المكاتب الجديدة يحتوي على رصيد، وعندما نفد وأردنا تعبئته، لم نتمكن من ذلك.

راجعنا الشركة، فأُبلغنا بوجود مبلغ يجب تسديده، رغم أن العداد من نوع الدفع المسبق!

وهنا يصبح الأمر أكثر غرابة: كيف تنشأ متأخرات على عداد يعمل بالدفع المسبق؟ وهل تتعلق بمستحقات سابقة أو رسوم أخرى؟ وإذا كانت كذلك، فلماذا لا يجري توضيح طبيعتها وأساسها، والفصل بين التزامات المالك السابق والمشترك الجديد؟

إن نقل أعباء مالية غير واضحة إلى مستخدم جديد، دون بيان سندها، يطرح إشكالًا جديًا يتعلق بعدالة العلاقة التعاقدية وحماية حقوق المستهلك.

رابعًا: الإنترنت.. هل نشتري الخدمة أم نشتري العقد؟

أما الإنترنت، فله قصة أخرى لا تقل غرابة.

فأنت عندما توقع عقد اشتراك في خدمة إنترنت رديئة، تجد نفسك ملزمًا بالدفع الشهري، حتى عندما لا تستخدم الخدمة، أو تتعذر عليك الاستفادة منها، وكأنك تشتري العقد بدل الخدمة!

ومن المفهوم أن تتضمن بعض الاشتراكات رسومًا ثابتة مقابل إتاحة الخدمة، لكن ما لا يمكن تبريره هو مطالبة المشترك بمقابل خدمة لم تُفعّل أصلًا، أو لم تكن متاحة له بسبب يعود إلى مقدمها، دون تفسير واضح أو تسوية عادلة.

وليت الأمر توقف عند هذا الحد!

لقد دفعنا الرسوم المطلوبة، وتأخر تفعيل الخدمة. وعندما عدنا للمراجعة، طُلب منا تسديد مبلغ إضافي عن فترة قيل إنها تدخل ضمن مدة الاشتراك، فسددناه، رغم أننا لم نستفد من الخدمة.

ثم عدنا مرة أخرى، فطُلب منا مبلغ جديد!

وهكذا وجدنا أنفسنا في دوامة من المطالبات المالية المتكررة، دون أن نحصل على الخدمة التي تعاقدنا من أجلها.

فما الذي نشتريه بالضبط؟ هل ندفع مقابل الإنترنت، أم مقابل الحق في انتظار الإنترنت؟

وأين التزام الشركة بتقديم الخدمة في موعدها، وبالجودة المتفق عليها؟ ولماذا يكون التزام المشترك بالدفع صارمًا، بينما يصبح التزام الشركة بتوفير الخدمة أمرًا قابلًا للتأجيل دون تبعات واضحة؟

أي عقد هذا الذي يرتب على المواطن التزامات مالية مستمرة، بينما لا يضمن له الحصول على المقابل الذي يدفع من أجله؟

خامسًا: من يحمي المواطن من الشركات التي لا يستطيع الاستغناء عنها؟

هذه الوقائع ليست مجرد خلافات شخصية حول فواتير، بل تطرح مشكلة أوسع تتعلق بطبيعة العلاقة بين المواطن والمؤسسات التي تقدم الخدمات الأساسية.

فالمواطن هو الطرف الأضعف في هذه العلاقة؛ لأنه لا يستطيع الاستغناء عن الماء والكهرباء والاتصالات، ولا يملك دائمًا حرية الانتقال إلى مزود آخر، خصوصًا في الخدمات التي تقوم على احتكار فعلي أو بنية تحتية لا تتوفر لها بدائل.

ومن هنا تأتي خطورة عقود الإذعان؛ فهي قد تكون مفهومة من الناحية العملية في الخدمات الجماهيرية، لكنها تصبح مصدرًا للإجحاف عندما لا تقابلها ضمانات قوية لحماية الطرف الأضعف.

فليس من العدل أن تمتلك الشركة سلطة إصدار الفواتير والمطالبة بتسديدها وقطع الخدمة، بينما يُترك المواطن ليخوض وحده معركة إثبات خطأ لم يرتكبه، في مواجهة مؤسسة تحتكر المعلومات والوثائق والوسائل الفنية.

والأصل أن من يطالب المواطن بمبلغ مالي عليه أن يقدم الأساس الواضح والقابل للتحقق لهذه المطالبة، لا أن يكتفي بالقول إن نظامه المعلوماتي أثبت ذلك!

فالحاسوب لا يمنح الفاتورة حصانة من الخطأ، والعداد ليس فوق المراجعة، ودفاتر الشركة ليست أحكامًا قضائية نهائية!

ثم إن المواطن لا ينبغي أن يكون هو الممول الإجباري لأخطاء التسيير، ولا أن يتحمل وحده نتائج الإهمال الإداري، أو ضعف الرقابة، أو الاختلالات المحاسبية.

سادسًا: نحتاج إلى حكم مستقل بين المواطن وهذه الشركات

إن ما نطالب به ليس إعفاء المواطنين من تسديد مستحقاتهم الحقيقية، ولا التشكيك في كل فاتورة تصدرها هذه الشركات، وإنما وضع حد لغياب التوازن في العلاقة بين مقدم الخدمة والمستهلك.

نحتاج إلى آلية مستقلة وفعالة للفصل في النزاعات المتعلقة بالفواتير والخدمات الأساسية، تكون قراراتها ملزمة وفق القانون، ولا تخضع لسلطة الشركة محل الشكوى.

ونحتاج إلى ضمانات واضحة، من أهمها:

* حق المشترك في الحصول على كشف تفصيلي للقراءات والاستهلاك، وأسباب أي زيادة استثنائية في الفاتورة.
* إتاحة فحص مستقل للعدادات عند وجود نزاع جدي حول الاستهلاك.
* منع قطع الخدمة بسبب مبلغ متنازع عليه بصورة جدية، إلى حين البت فيه، وفق ضوابط تحمي حقوق الطرفين.
* إلزام الشركات بتصحيح الأخطاء وإعادة المبالغ المحصلة دون وجه حق، وتعويض الضرر متى ثبتت المسؤولية.
* الاعتراف بالقيمة القانونية لبراءات الذمة، وتحديد المسؤولية عن المتأخرات السابقة عند انتقال الاشتراكات.
* وضع قواعد واضحة لفوترة الإنترنت، وتفعيل الاشتراكات، وتعويض فترات الانقطاع أو عدم تقديم الخدمة وفق شروط عادلة ومعلنة.

كما ينبغي أن تخضع هذه الشركات لرقابة حقيقية، لا تقتصر على التوازنات المالية والإدارية، بل تشمل جودة الخدمة، وشفافية الفوترة، وحقوق المشتركين، وسرعة معالجة الشكاوى.

فليس كافيًا أن تعلن الشركات عن مداخيلها واستثماراتها وأرباحها أو خسائرها، بل يجب أن نعرف أيضًا كم شكوى تلقتها، وكم فاتورة صححتها، وكم مبلغًا أعادته لأصحابه، وكم مواطنًا أنصفته بعد أن ثبت خطأ في حقه.

إن جودة الحكامة لا تقاس فقط بما تجبيه الشركة من المواطنين، وإنما أيضًا بمدى احترامها لحقوقهم وقدرتها على الاعتراف بأخطائها وتصحيحها.

أخيرًا: أنقذوا المواطن من العجز أمام من يقدمون له ضروريات الحياة!

إننا نتأذى كثيرًا من هذه الوضعية، ليس فقط بسبب المبالغ التي ندفعها، وإنما أيضًا بسبب الشعور بالعجز والإهانة وضياع الوقت، عندما نجد أنفسنا مطالبين بإثبات براءتنا من ديون لا نعرف كيف نشأت، أمام شركات لا نستطيع الاستغناء عن خدماتها.

والأخطر من الخسارة المالية هو أن يفقد المواطن ثقته في عدالة المؤسسات، وأن يشعر بأن حقوقه تنتهي عند باب الشركة، بينما تبدأ التزاماته ولا تنتهي.

فما قيمة العقد إذا كان أحد طرفيه يملك فرض تفسيره وتنفيذه، بينما لا يملك الطرف الآخر سوى الدفع والانتظار؟

وما قيمة الرقابة إذا لم تحمِ المواطن من الخطأ والتعسف؟ وما قيمة الخدمة العمومية إذا تحولت من وسيلة لتيسير حياة الناس إلى مصدر دائم لمعاناتهم؟

إننا لا نطالب بامتيازات، وإنما بحق بسيط: أن ندفع مقابل ما استهلكناه فعلًا، وأن نحصل على الخدمة التي دفعنا ثمنها، وأن نجد من ينصفنا عندما نُظلم. ودون أن تحكمها قواعد العدالة والشفافية والمسؤولية.

وإذا كانت الدولة قد أوكلت إلى هذه المؤسسات تقديم خدمات لا غنى عنها، فإن مسؤوليتها لا تنتهي عند إنشاء الشركات أو تعيين مديريها، بل تمتد إلى حماية المواطنين من أي تعسف في ممارسة تلك الخدمات.

أنقذونا يرحمكم الله من عقود الإذعان، ومن الفواتير التي لا نفهمها، والديون التي لا نعرف مصدرها، والخدمات التي ندفع ثمنها ولا نحصل عليها!
فالمواطن ليس مجرد رقم اشتراك، ولا حسابًا مصرفيًا مفتوحًا لتغطية أخطاء الشركات وعجزها؛ إنه صاحب حق، ومن واجب الدولة أن تحمي هذا الحق.

الإعلامي والمحلل السياسي محمد محمود ولد بكار