قطاع الصيد بين غياب الرؤية وتوالي الوزراء… إلى أين؟
ليست أزمة قطاع الصيد في قلة الوزراء الذين تعاقبوا عليه، بل في غياب المشروع الذي كان ينبغي أن يحكم عملهم، والرؤية التي كان يفترض أن تجمع جهودهم، والمعايير التي يُقاس بها نجاحهم أو فشلهم.
إن المتأمل في واقع قطاع الصيد خلال السنوات السبع الماضية لا يجد صعوبة في ملاحظة حجم الارتباك الذي طبع تسييره، ولا في إدراك الهوة المتسعة بين أهمية هذا القطاع الاستراتيجي ومحدودية الحصيلة التي انعكست على واقعه وأهله.
ثمانية وزراء في سبع سنوات! رقم لا يثير الاستغراب بقدر ما يطرح سؤالًا جوهريًا: ما الذي تغير في القطاع بتغير هؤلاء جميعًا؟ وأين أثر كل وزير؟ وما الذي أنجزه أحدهم ليبدأ منه خلفه؟
لقد بدا التسيير، في نظر كثير من أهل القطاع، وكأنه سلسلة من البدايات المجهضة؛ يأتي الوزير وكأن القطاع وُلد يوم تعيينه، ويغادر دون أن يترك وراءه نهجًا يُستكمل، أو إصلاحًا يُبنى عليه، أو رؤية تستحق أن تُصان من تقلبات المناصب والأسماء.
والأدهى من ذلك أن هذا التعاقب المتسارع لم تصاحبه، في نظرنا، معايير واضحة للتعيين أو الإعفاء؛ فلا الكفاءة المشهودة تبدو شرطًا ظاهرًا للاختيار، ولا الحصيلة المعلنة معيارًا بيّنًا للاستمرار، ولا الإخفاق سببًا محددًا للمغادرة. وحين تغيب معايير النجاح والفشل، يصبح المنصب محطة في السيرة الذاتية لصاحبه، بدل أن يكون مسؤولية وطنية يُحاسَب على نتائجها.
وهنا تكمن المأساة الحقيقية: ليست المشكلة أن الوزراء يتغيرون، بل أن السياسات لا تتراكم، وأن التجارب لا تُقيَّم، وأن الأخطاء لا تتحول إلى دروس، وأن القطاع يدفع في كل مرة ثمن البداية من الصفر.
لقد تحول تعاقب الأسماء إلى مشهد متكرر، حتى أصبح من العسير أن نميز بين وزير وآخر بإنجاز نوعي، أو تحول ملموس، أو إصلاح بنيوي. أسماء تأتي وأسماء تمضي، والقطاع باقٍ في دائرة الانتظار، كأن الغاية من التغيير هي تغيير الوجوه، لا تغيير الواقع.
وليس من الإنصاف أن نحمّل الوزراء وحدهم مسؤولية هذا الاضطراب؛ فالمسؤولية السياسية الأعمق تقع على الحكومة التي يفترض أن تمتلك رؤية للدولة تتجاوز أعمار الحكومات والوزراء. فالوزير، مهما بلغت قدرته، لا يستطيع أن يصنع استقرارًا داخل منظومة تفتقر إلى الاستمرارية، ولا أن يحقق نتائج مستدامة في غياب أهداف محددة ومؤشرات أداء ومحاسبة مؤسسية.
إن قطاعًا بحجم الصيد، وبما يمثله من ثروة وطنية ومصدر للعيش وفرص للتشغيل وعائدات للاقتصاد، لا يجوز أن يُدار بمنطق التجريب المتكرر، ولا أن يبقى رهينة لاجتهادات الوزراء الفردية وأمزجتهم الإدارية.
فأين الاستراتيجية الوطنية الواضحة التي تُلزم الجميع؟ وأين التقييم الدوري للسياسات؟ وأين الحصيلة التي تفسر لنا أسباب التغيير؟ وأين الخط الفاصل بين نجاح يستحق الاستمرار وإخفاق يستوجب التصحيح؟
إن غياب الإجابة عن هذه الأسئلة يجعل الحديث عن الإصلاح أقرب إلى الشعارات منه إلى العمل المؤسسي.
ولعل أخطر ما يمكن أن تصل إليه علاقة أهل القطاع بالجهة الوصية هو أن تتراجع آمالهم في الإصلاح إلى مجرد الخوف من قرارات جديدة تزيد أوضاعهم تعقيدًا؛ فتتحول الوزارة، التي يُفترض أن تكون مصدرًا للحلول، إلى مصدر قلق، ويصبح أقصى ما يتمناه المهنيون أن تمر مرحلة الوزير بأقل قدر ممكن من الأضرار.
لقد وصلنا إلى مرحلة لم نعد نعلّق فيها آمالًا كبيرة على قدوم وزير جديد، بقدر ما نتوجس من أن يكون قدومه بداية ارتباك جديد. ولم نعد نسأل عمّا سيضيفه إلى القطاع، بل عمّا قد يخسره القطاع في عهده.
وهذا في حد ذاته مؤشر بالغ الخطورة على تآكل الثقة في أسلوب التسيير، وعلى الحاجة إلى مراجعة عميقة تتجاوز الأشخاص إلى المنهج الذي يحكم اختيارهم وتوجيههم ومحاسبتهم.
إننا لا نحتاج إلى وزير ثامن يحمل وعودًا جديدة، ولا إلى أسماء تُضاف إلى قائمة طويلة من المسؤولين العابرين. نحتاج إلى سياسة دولة، وإلى استراتيجية معلنة، وإلى أهداف قابلة للقياس، وإلى مسؤوليات محددة، وإلى محاسبة لا تستثني أحدًا.
فالمناصب ليست أوسمة تُعلّق على صدور أصحابها، والوزارات ليست محطات عبور نحو مناصب أخرى، والثروات الوطنية ليست حقولًا مفتوحة للتجارب الإدارية.
إن المعيار الحقيقي ليس عدد من جلسوا على كرسي الوزارة، بل مقدار ما تحقق للقطاع في عهودهم. وليس السؤال من الوزير القادم، بل ما المشروع الذي سيأتي لتنفيذه، وبأي معايير سيُحاسَب عليه؟
وما لم تتغير هذه المعادلة، فسيظل القطاع يدور في الحلقة نفسها: وزير يأتي، وآخر يغادر، ووعود تتجدد، وأزمات تتراكم، وحصيلة لا ترتقي إلى حجم الإمكانات.
إن أهل القطاع لا يطلبون المستحيل، وإنما يطلبون أن تكون لهذه الثروة الوطنية سياسة تحميها، وللعاملين فيها رؤية تنصفهم، وللقرارات التي تحكم مصيرهم حكمة واستقرار ومسؤولية.
فليس أخطر على قطاع استراتيجي من وزير لا يملك مشروعًا، إلا حكومة لا تملك رؤية، وليس أشد إضرارًا بالمصلحة العامة من أن تتغير الأسماء ويبقى الخلل، وتتعدد العهود ولا تتراكم الإنجازات.
لقد آن الأوان لأن يُقاس المسؤولون بما يتركون من أثر، لا بما يحملون من ألقاب؛ وأن تُقاس الحكومات بما تبنيه من مؤسسات، لا بما تستهلكه من وزراء.
فقطاع الصيد ليس بحاجة إلى مزيد من حراس المناصب، بل إلى دولة تحرس ثروته، وسياسة تصون مستقبله، ومسؤولين يدركون أن قيمة المنصب فيما يُنجز فيه، لا في مجرد الوصول إليه.
والله المستعان.
الاتحادية العامة للصيد
FGP




