الثلاثاء
2026/10/13
آخر تحديث
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026

أولويات الرئيس والحكومة بعد ضبط التوجهات:الحاضر أم المستقبل أم هما معا؟

منذ 57 دقيقة
أولويات الرئيس والحكومة بعد ضبط التوجهات:الحاضر أم (…)
طباعة

نحن اليوم أمام مشكلة كبيرة، تتمثل في أن الرئيس أدرك تحدياته الجديدة بكل قوة وفردانية، وتعززت ثقته بمركزه، وهو وضع يكون فيه أحوج إلى وجود، أو على الأقل إلى أهمية، البالغين من حوله.

والحقيقة أنه ليس لدينا محور من «البالغين» حول الرئيس، يمكن أن يقول له: «لا»!
«وأعني بالبالغين هنا أولئك الذين بلغوا من الخبرة والاستقلالية ونضج التقدير ما يجعلهم قادرين على قول ما يجب أن يسمعه الرئيس، لا ما يرغب في سماعه بالتحديد ».

إن الرئيس، ومن مصلحته ومصلحة البلد، بحاجة إلى من يقول له «لا»، ليس لأنه يعارضه، أو يريد أن يضعه تحت الوصاية، بل لأن من بين الذين يعملون لمصلحته ومصلحة البلد من قد يرى الأمور من زاوية مختلفة، أو يكون أقل خضوعًا للضغوط، أو أكثر قدرة، بفعل الخبرة والتجربة، على استشراف العواقب وتقدير المخاطر في ظل الوضع الاستراتيجي والجيوسياسي الدولي.

فالرئيس الذي لا يسمع إلا ما يوافق رأيه قد يحرم نفسه من أهم أدوات الحكم الرشيد: الرأي الآخر، والتقدير المستقل، والقدرة على مراجعة القرار قبل أن تتحول أخطاؤه إلى أعباء على الدولة أو تفوت عليه فرص البناء .

إن وجود هذا المحور من «البالغين» مهم جدًا للدولة، وبالخصوص لدولة تواجه تحديات متزايدة ومتنوعة ومتشابكة، ولم تحسم بعد قضاياها الجوهرية والمصيرية، التي كان بالإمكان حسم كثير منها في وقت أقل بكثير مما استغرقته عندنا.

فقد أهدرنا الكثير من الوقت، وما زلنا نراوح عند نقطة البداية، بسبب انعدام الرؤية والخطط، والفساد التراكمي الهائل، وعدم استقرار الحكومات، وغياب الاستمرارية في السياسات العمومية. وكأننا في كل مرة نبدأ من جديد، بدل أن نواصل البناء على ما تحقق.

إن الحل الحاسم اليوم هو أن يحيط الرئيس نفسه بمحور من «البالغين»، حتى ولو كانوا من خارج الإطار الوظيفي، أو من داخل مؤسسته الرئاسية، ممن يمتلكون الخبرة والاستقلالية والشجاعة الأدبية التي تمكنهم من قول الحقيقة، لا مجرد تأكيد ما يعتقدون أن الرئيس يرغب في سماعه.

كما يتوجب، ضمن الحل نفسه، رسم طريق واضح للعمل الحكومي، يحدد الأولويات والإطار الاستراتيجي الذي يجب أن تسير فيه الدولة دون مواربة، بحيث يكون كل وزير مسؤولًا بصفة مباشرة عن النتائج فيما يعني قطاعه، بينما يتولى الوزير الأول التنسيق بين القطاعات، والإشراف على التسيير الحكومي اليومي، ومتابعة تنفيذ البرامج والالتزامات.

إن أمام الوزير الأول، الذي توسعت صلاحياته أكثر، ضرورة التمييز بين ما يراه هو مهمًا، وما يريده المواطنون أو يحتاجون إليه في همومهم اليومية. فقد تكون الطريق مهمة جدًا، لكن القوت اليومي أهم بالنسبة للمواطن.

إن المواطن أكثر تمسكًا بالدولة التي تذلل له مصاعب قوته اليومي ووسائل حياته، من تلك التي تبني الطرقات، بل قد يتحول في الأساس إلى كاره لها عندما تتجاهل مشاكل الأكثر الحاحا وفوق ذلك ترهقه بالضرائب، خاصة عندما لا يملك أية قدرة على تحمل الأعباء الأساسية للحياة.

الحكومة مطالبة اليوم بالتخطيط عبر قطاعات الصيد والزراعة والتربية الحيوانية، من أجل توفير منتجاتها بكميات تغطي حاجات المواطنين، وبأسعار رحيمة، أو على الأقل تتماشى مع دخولهم.

أما الرئيس، فعليه أن ينصرف إلى قيادة التوجهات الكبرى للدولة، والتفكير في المستقبل، وصناعة الخيارات الاستراتيجية، بدل الانشغال بتفاصيل العمل الحكومي التي يفترض أن تكون لها مؤسسات ومسؤولون يُحاسبون على نتائجها.

إن الدولة التي ينشغل رئيسها بكل التفاصيل قد تجد نفسها بلا من ينشغل بمستقبلها!

دولتنا تواجه تهديدات لا بد من تعزيز الرؤية الاستراتيجية بشأنها، وتواجه مشاكل بنيوية تتعلق بأسس وشروط الإقلاع الاقتصادي، وفي مقدمتها الطاقة، كما تواجه تحديات تتعلق بتوازن القوة مع الجيران، وبموقعها في محيط إقليمي ودولي سريع التحول.

فهل نحن على يقين من أنه لم تعد هناك قوة قادرة على ابتلاعنا أو زعزعة استقرارنا؟ وهل نمتلك من عناصر القوة الاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية ما يجعل أمننا واستقرارنا قائمين على قدراتنا الذاتية، لا على حسن نيات الآخرين أو توازنات قد تتغير في أية لحظة؟

إن الموارد الكبرى للطاقة، وما قد تختزنه أرضنا من معادن استراتيجية تدخل في الصناعات المتقدمة، بما فيها صناعة الرقائق الإلكترونية، تجعل بلدنا موضع أطماع ومنافسة بين القوى الكبرى، بل وأرضًا لصراع مصالحها توجب علينا اليوم قبل أي وقت حسن إدارة موقعنا وثرواتنا.

كما أن دول الجوار تنمو اقتصاداتها وتتوسع مصالحها، وبعضها يحمل تصورات جيوسياسية تقوم على التوسع والتمدد فمع محاولة نسيان التاريخ لايزال المغرب يطمع في حزء حيوي من أرضنا مثل "لگويرة" بعدما استولى على الساقية الحمراء في الشمال وواد الذهب ،وطموح الجزائر للتمدد الاقتصادي والتجاري نحو الجنوب عبر موريتانيا والتأثير الديبلوماسي والأمني في المنطقة ، وفي الجنوب حيث يوجد تداخل في المصالح والامتدادات البشرية والاقتصادية والموارد المشتركة مع السينغال بالدرجة الأولى عبر الغاز والصيد والمراعي ،وتداخل في الأرض مع مالي ،على نحو يتطلب هدوءًا وحكمة وتفاهمات استراتيجية راسخة، قد لا تكون جميع شروطها قد حُسمت بعد.

ولا يعني ذلك أن الجوار مصدر تهديد بالضرورة، لكن هل سننتخب باستمرار رئيسا يحافظ على العلاقات الجيدة وهل هذه العلاقات الجيدة يمكن أن تحل محل امتلاك عناصر القوة التي تحمي البلد ، وتجعل التعاون خيارًا متكافئًا، لا ضرورة تفرضها موازين القوة.

فالبلد بحاجة إلى رئيس يمضي وقته في التفكير والعمل على وضع الخطط للمستقبل، لا أن يتماهى مع العمل الحكومي اليومي، والإنجازات الطرقية وغيرها، مهما كانت أهميتها. فهذه أعمال الحكومات والوزارات، أما صناعة المستقبل فهي مسؤولية القيادة العليا للدولة.

إن محمد ولد الشيخ الغزواني رئيس يمتلك، مواصفات مهمة في هذا الخصوص؛ فقد أدار علاقات الجوار بصورة ممتازة، خاصة في سرعة اتخاذ المواقف تجاه قضايا المنطقة، وفي إدارة العلاقات البينية بطابع شخصي، فضلًا عما يتمتع به من شرعية داخلية، وهاجس أمني، وقوة إرادة.

وهو اليوم بحاجة، قبل أي شيء آخر، إلى أن يحيط نفسه بأكفاء من ذوي الخبرة والرؤية في مجالات الطاقة والأمن والاقتصاد، وبدبلوماسيين مقتدرين، وخبراء في الاستراتيجيات الكبرى، ممن يستطيعون أن يقدموا له تصورات متكاملة للمستقبل، لا مجرد تقارير عن الحاضر خاصة أنه طرح سؤال جوهري أمام الجمهور عن "أين نسير ؟"كان عليه هو أن يبدأ بالإجابة عليه قبل أي أحد .

فنحن بحاجة إلى الانتقال بالبلد إلى مرحلة أخرى، تتجاوز مفهوم الإنجاز التقليدي، فلم يعد توفير المياه والكهرباء والصحة والتعليم إنجازات استثنائية يُحتفى بها، بل هي ضرورات أساسية للحياة، وحقوق أولية للمواطنين، والتزامات بديهية على أية دولة تجاه شعبها.

أما الإنجازات الكبرى التي ينبغي أن نقيس بها نجاح الدولة، فهي إقامة مشاريع عملاقة في الطاقة، وبناء قوة عسكرية قادرة على حماية السيادة والثروات، وإطلاق مشاريع اقتصادية هائلة تُحدث تحولًا حقيقيًا في الإنتاج والدخل والتشغيل، وتؤسس لاقتصاد وطني قادر على المنافسة والاستمرار.

إننا بحاجة إلى الانتقال من دولة تنفق مواردها على تسيير حاضرها، إلى دولة تستثمر إمكاناتها في صناعة مستقبلها؛ ومن اقتصاد يقوم على ريع تصدير المواد الخام، إلى اقتصاد يخلق القيمة المضافة ويحوّل الثروة الطبيعية إلى قوة اقتصادية واستراتيجية ومشاريع عملاقة .

ولن يتسنى تحقيق ذلك دون التخطيط والتفكير الاستراتيجي، ودون إدارة حكومية مستقرة، ومسؤوليات واضحة، ومحاسبة على النتائج، ودون قيادة سياسية تتفرغ للأسئلة الكبرى التي لا تستطيع الحكومات وحدها الإجابة عنها.

لقد حدد الرئيس فريقه الحكومي بوضوح ، ولم يعد التحدي في إثبات من يملك السلطة، بل في تحديد ما الذي سيفعله بهذه السلطة، وما الذي سيتركه من قوة للدولة، ومن مستقبل للأجيال.
وهنا نضع التساؤل كيف تتحول قوة الرئيس وإرادته إلى مؤسسات راسخة، وخطط بعيدة المدى، وقدرات وطنية تبقى بعد رحيله.

وهذا، في اعتقادي، هو التحدي الحقيقي الذي ينبغي أن تنصرف إليه أولويات المرحلة المقبلة.

الإعلامي والمحلل السياسي محمد محمود ولد بكار