ماذا نحتفي به حقًا؟
أكنّ الكثير من التقدير لبعض الذين عُيّنوا مؤخرًا في مناصب عليا، كما أكنّ التقدير لآخرين غادروها. ولذلك، ألتمس منهم العذر لأنني لم أذهب لتهنئتهم أو لزيارتهم. وأقول، تبريرًا لموقفي، إنني لم أعتد أصلًا على مثل هذه الزيارات. ولا أعرف على وجه الدقة السبب، لكنني منذ زمن بعيد لم أعد أقوم بهذه الزيارات التي تفرضها المناسبات، دون أن يعني ذلك، بطبيعة الحال، أي انتقاص من تقديري للأشخاص المعنيين أو من احترامي لهم.
يجب أن أعترف بأنني لم أفهم يومًا معنى هذا التدافع الذي يصاحب التعيينات. منازل تغص بالزوار، وصفوف من المنتظرين، وأحضان متبادلة، وأيدٍ ممدودة، وتهانٍ لا تكاد تنتهي. وحين يُعيَّن أكثر من شخص، يتنقل الناس من منزل إلى آخر، وكأن حدثًا استثنائيًا قد وقع.
لكن، في نهاية المطاف، ما الذي نحتفي به؟
أهي فرحة رؤية صديق يتولى منصبًا؟ أم هو الامتنان لمن عيّنه؟ أم هو الأمل الخفي في أن يفتح هذا التعيين، يومًا ما، بعض الأبواب؟
ففي نهاية الأمر، إن التعيين في وظيفة عمومية ليس وسامًا فخريًا، بل هو مسؤولية تُسند باسم المصلحة العامة. وكان الأجدر به أن يستدعي الشعور بالواجب، والحرص على الأداء، والتواضع، أكثر مما يستدعي مظاهر الابتهاج والاحتفال.
كما أتساءل عن هذه النظرة الغريبة إلى الوظيفة العمومية، التي يبدو معها أن كل تعيين ينبغي أن تعقبه مظاهر من الامتنان لمن أصدر قرار التعيين. وكأن الكفاءة لم تعد كافية، وكأن الاستحقاق يجب أن يقترن بدَين شخصي، وكأن تولي وظيفة عمومية ينشئ، في المقابل، التزامًا بالولاء الشخصي.
ثمة تمييز جوهري، فيما أرى، فقدنا القدرة على استحضاره كما ينبغي.
إن التعيين ينبغي أن يكون موعدًا مع الواجب، لا مناسبة للاحتفاء بامتياز. وأولى علامات الامتنان التي ينبغي أن يقدمها المسؤول للجمهورية هي جودة العمل الذي يؤديه خدمةً لمواطنيها.
ربما كانت تلك هي طريقتي في النظر إلى الأمور. وهي لا تمنعني من تقدير الأشخاص، ولا من الفرح لنجاحهم. لكنها تمنعني من الخلط بين الصداقة ومراسم المجاملة التي تفرضها المناسبات، وبين الاستحقاق والمحسوبية، وبين المسؤولية والامتياز.
وفي نهاية المطاف، يبقى سؤال مطروحًا: هل ينبغي أن نهنئ شخصًا لمجرد أنه عُيّن في منصب، أم أن الأجدر بنا أن ننتظر لنرى ما الذي سيفعله بالمسؤولية التي أُسندت إليه؟
لعل الإجابة عن هذا السؤال هي بداية تصور آخر للدولة.
المحامي أحمد سالم ولد بوحبيني




